وشيء آخر لا بدّ من الإفاضة فيه على وجه الذّكرى ؛ إن لقاءك الناس بالبشر يأسرهم لك ويرضيهم عنك ؛ فتكلّف ذلك إن لم يكن التهلّل سجية لك بالمزاج المستعدّ / ، وما أكثر ما يلحق المتخلّق بذي الخلق .
وبعد فبين عبوس وجهك وقد ظهرت للناس لتركب ، وبين عبوسه ، وقد رجعت إلى دارك لتنزل ، فرق ، أعني أنك ربّما عذرت في العبوس في الثاني ، لأن النهار قد نصف ، ولأنك قد تجشّمت إلى ذلك الوقت مصاعب الدّولة بالأمر والنّهي والقبض والبسط ؛ ولست تعذر في غرّة نهارك وأنت جامّ « 1 » ومتوجه ومقتضب « 2 » للتدبير في الأمور .
وشيء آخر ، قد يسبق إلى عينيك ازدراء من عليه مرقّعة ، أو علته بذاذة « 3 » ، وقد اعتراه عيّ إمّا للهيبة أو لسوء العادة ؛ فلا تصدّق العين فإنها تكذب أحيانا ، واعمل على أنك تعتقده بفضلك ، فإن كان من أهل الفضل فهو شقيقك بالطبيعة وإن كان من أهل النّقص فهو مستحقّ منك الرحمة . والإحسان إلى مثله شكر منك للّه على ما خصّك به من دونه .
هامش
( 1 ) جامّ : مستريح .
( 2 ) مقتضب : راكب .
( 3 ) البذاذة : رثاثة الهيئة .