ويتدفّق به ؟ إنك يا أبا حيان لو رأيته يميس وهو يهذي بهذا وشبهه ، ويتفيهق فيه ، ويلوي شدقه عليه ، ويقذف بالبزاق على أهل المجلس ، لحمدت اللّه تعالى على العافية ممّا بلي به هذا الرجل .
وبعد فما بين الشاعر وبين هذا الضرب ؟ الشاعر يطلب لفظا حرّا ، ومعنى بديعا ، ونظما حلوا ، / وكلمة رشيقة ، ومثالا سهلا ، ووزنا مقبولا .
قلت للخليلي : فما بال الناس ، مع علمهم برقاعته وجنونه ، قد لزموا فناءه ، وتزاحموا على بابه ؟
فقال لي : يا هذا ! خلت الدّنيا من الكرم والكرام ، واصطلح الناس على قلّة المباهاة بالفضائل ، وكان هذا كلّه منوطا بالخلافة ، فانقضت أيام الصّدر الأول بالدّين الخالص ، وأيام بني مروان بالرّياء والسّمعة ، وأيام بني العباس بالمروّات والتوسع في الشّهوات ، ولم يبق بعد هذا شيء .
ولا بد للناس من الانتجاع ، أخصبت البلاد أم أجدبت ، والحرف لا تسع الخلق ، والمرتبة الواحدة لا تحفظ النّظام ، ولا بدّ للناس من التقسّم بين الرّفعة والضّعة ، وعلى ما بينهما من الأحوال ؛ على أن الكرم والعطاء ، والبذل وحبّ الثناء ، والهزّة والأريحية أمور قد فقدت منذ زمان ،
أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد ) — صفحة 487
مساهمون: محمد بن تاويت الطنجي
ص٤٨٧