فيه الاشعار حتى عدّ ذلك اليوم من بعض مواسم العرب . فلما ووري في حفرته قام جديلة بن أسد بن ربيعة « 1 » فقال :
أيها الناس هذا حنظلة بن نهد فكّاك الأسير ، وطارد العسير ، فهل منكم اليوم مجاز بفعله ، أو حامل عنه من ثقله ، كلا وأجل ، ان مع كل جرعة لكم شرقا ، وفي كل أكلة لكم غصصا ، لا تنالون نعمة الا بفراق أخرى ، ولا يستقبل معمّر يوما من عمره الا بهدم آخر من أجله ، ولا يجد لذة زيادة في أكله الا بنفاد ما قبله من رزقه ، ولا يحيى له أثر الا مات أثر ، ان في هذا لعبرا ومزدجرا لمن نظر ، لو كان أصاب أحد إلى البقاء سلما ، ووجد إلى المرحل عن الفناء سبيلا ، لكان ابن داود المقرون له النبوة بملك الجن والانس ، ثم أنشأ يقول :
وهذا صاحب الملكين أضحى * تخرّق في مصانعه المنون
فكان عليه للايّام دين * فقد قضيت عن المرء الديون
وخانته العصا من بعد ما قد * أتى ميتا له حين فحين
على الكرسيّ معتمدا عليه * تحار الشمس فيه والعيون
وتضحى الجنّ عاكفة عليه * كما عكفت على الأسد العرين
وسخرت العيون له جميعا * عليه الطير عاكفة عرين
فلم أر مثله حيا وميتا * على الأيام كان ولا يكون
فدان له الخلائق ثم هبّوا * ودان فيما قد يدين
بنى صرحا له دون الثريا * واجرى تحته الماء المعين
تراه متقنا لا عيب فيه * يخال بصرحه الذهن الذهين
وقد ملك الملوك وكل شيىء * تدين له السهولة والحزون
فأفنى ملكه مر الليالي * وخون الدهر فيما قد يخون
هامش
( 1 ) أنظر جمهرة أنساب العرب 293 والاشتقاق 320 .