قال الشعبي : قال عمرو بن معدي كرب « 1 » : خرجت يوما حتى انتهيت إلى حي فإذا بفرس مشدودة ورمح مركوز ، وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجة له .
فقلت له : خذ حذرك ، فإني قاتلك . قال : ومن أنت ؟ قلت : أنا ابن معدي كرب .
قال : يا أبا ثور ما أنصفتني أنت على ظهر فرسك ، وأنا في بئر فأعطني عهدا أنك لا تقلتني حتى أركب فرسي ، وآخذ حذري فأعطيته عهدا أني لا أقتله حتى يركب فرسه ، ويأخذ حذره فخرج من الموضع الذي كان فيه حتى احتبى « 2 » بسيفه ، وجلس . فقلت له : ما هذا ! قال : ما أنا براكب فرسي ، ولا مقاتلك فإن نكثت « 3 » عهدا ، فأنت أعلم ، فتركته ومضيت فهذا أحيل من رأيت .
قال قحذم « 4 » : وجد في سجن الحجاج ثلاثة وثلاثون ألفا ما يجب على أحد منهم قطع ، ولا قتل ، ولا صلب وأخذ فيهم أعرابي رئي جالسا يبول عند ربط مدينة واسط « 5 » ، فخلي عنهم ، فانصرف الأعرابي وهو يقول :
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط * خرينا وصلّينا بغير حساب
سمع أعرابي رجلا يروي عن ابن عباس أنه قال : من نوى الحج وعاقه عائق كتب له الحج . فقال الأعرابي : ما وقع العام كراء « 6 » أرخص من هذا .
هامش
( 1 ) عمرو بن معدي كرب : هو فارس اليمن وصاحب الغارات المذكورة . شهد اليرموك وذهبت فيها إحدى عينيه . بعثه عمر إلى العراق فشهد القادسية . كان عصي النفس أبيّها فيه قسوة الجاهلية ، يكنى أبا ثور . توفي سنة 21 ه .
( راجع ترجمته في الإصابة : ت 5972 ؛ وسمط اللآلي : 63 و 64 ؛ وابن سعد 5 : 383 ؛ ومعاهد التنصيص 2 : 240 ؛ والحور العين : 110 ؛ والمرزباني : 208 ؛ والشعر والشعراء : 138 ؛ وخزانة البغدادي 1 : 425 ) .
( 2 ) احتبى بالثوب : اشتمل به .
( 3 ) نكث العهد : لم يف به .
( 4 ) قذحم : هو قدحم بن سليمان بن ذكوان ، كاتب الأمير يوسف بن عمر الثقفي .
( 5 ) واسط : مدينة الحجاج توجد خرائبها اليوم بجوار مدينة الحلّة في جنوب العراق .
( راجع معجم البلدان 5 : 347 ، ط . صادر ) .
( 6 ) الكراء : أجرة المستأجر .