اجعل غاية تشبّثك « 1 » في مؤاخاة من تؤاخي ومواصلة من تواصل توطين « 2 » نفسك على أنّه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك وإن ظهر لك منه ما تكره فإنّه ليس كالمرأة التي تطلقها إذا شئت ، ولكنّه عرضك ومروءتك .
فإنّما مروءة الرجل إخوانه وأخدانه « 3 » ، فإن عثر النّاس على أنك قطعت رجلا من إخوانك وإن كنت معذرا ، نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال .
وإن أنت صبرت مع ذلك على مقارّته على غير الرّضى عاد ذلك إلى العيب والنقيصة ، فالاتئاد الاتئاد « 4 » والتثبّت التثبّت « 5 » .
* اختيار الأصحاب
إذا نظرت في حال من ترتئيه لإخائك فإن كان من إخوان الدّين فليكن فقيها ليس بمراء ولا حريص .
وإن كان من إخوان الدّنيا فليكن حرّا ليس بجاهل ولا كذّاب ولا شرّير ولا مشنوع ، فإنّ الجاهل أهل لأن يهرب منه أبواه ، وإنّ الكذّاب لا يكون أخا صادقا لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنّما هو من فضول كذب قلبه .
وإنما سمّي الصديق من الصّدق ، وقد يتّهم صدق القلب وإن صدق اللسان فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان وإنّ الشرّير يكسبك العدوّ ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة ، وإنّ المشنوع « 6 » شانع صاحبه .
* مغبّة الغرور
تحرّز من سكر « 7 » السلطة وسكر العلم وسكر المنزلة وسكر الشّباب ،
هامش
( 1 ) التشبّث في المؤاخاة : التمسّك بها .
( 2 ) توطين النفس على : حملها على .
( 3 ) الأخدان : جمع خدن وهو الصاحب أو الحبيب .
( 4 ) الاتئاد : التمهّل .
( 5 ) التثبّت في الأمر والرأي : التّأنّي فيه ، والتثبّت الفحص عن الأمر والمشاورة فيه .
( 6 ) المشنوع : اسم مفعول من شنع شنعا ( ه ) : استقبحه .
( 7 ) سكر السّلطة : نشوتها وسحرها .