وإنّما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع فإن أخطأك ذلك أدخلت المحنة على عملك حتّى تأتي به إن اتيت به في غير موضعه وهو لا بهاء ولا طلاوة له .
ليعرف العلماء حين تجالسهم أنّك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول .
* تجنّب الهزل
إن آثرت أن تفاخر أحدا ممّن تستأنس إليه في لهو الحديث فاجعل غاية ذلك الجدّ ولا تعدونّ « 1 » أن تتكلم فيه بما كان هزلا .
فإذا بلغ الجدّ أو قاربه فدعه ولا تخلطنّ بالجد هزلا ، ولا بالهزل جدا فإنّك إن خلطت بالهزل جدا هجّنته وإن خلطت بالهزل جدا كدّرته .
غير أني قد علمت موطنا واحدا إن قدرت أن تستقبل فيه الجدّ والهزل أصبت الرأي وظهرت على الأقران « 2 » وذلك إن يتورّدك متورّد بالسّفه والغضب فتجيبه إجابة الهازل المداعب « 3 » برحب من الذّرع وطلاقة من الوجه « 4 » وثبات من المنطق .
* علاقة الصاحب بالعدوّ
إن رأيت صاحبك مع عدوّك فلا يغضبنّك ذلك فإنّما هو أحد رجلين :
إن كان رجلا من إخوان الثّقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوّك ، لشرّ يكفّه عنك وعورة « 5 » يسترها منك وغائبة يطّلع عليها لك .
فأما صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك ، وإن كان رجلا من غير خاصّة إخوانك ، فبأيّ حقّ تقطعه عن النّاس وتكلّفه ألا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى .
هامش
( 1 ) لا تعدونّ : لا تتخبطنّ أو لا تتجاوزن .
( 2 ) الأقران : جمع قرين وهو العشير والزوج والصاحب .
( 3 ) المداعب : الملاعب .
( 4 ) طلاقة الوجه : بشاشته .
( 5 ) العورة : كل ما يستحيا منه ، العيب .