على أثرهم في الدولة الإسلامية ، ولكنه لم يذهب إلى ذلك بالإشارة الواضحة ، وإنما سلك إليه سبيل الإيماء .
وبمثل هذا الأسلوب يبرّر نقله عن الأقدمين فيقول :
« فلم يبق في جليل الأمر ولا صغيره لقائل بعدهم مقال . وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن مشتقة من جسام حكم الأوّلين وقولهم ، فمن ذلك بعض ما أنا كانت في كتابي هذا من أبواب الأدب التي قد يحتاج إليها الناس » .
* المقالة الأولى
وتشتمل على بابين :
الأول في « السلطان » ، وما ينبغي أن يتحلّى به من صفات .
الثاني في « صحبة السلطان » ، وما تحتاج إليه من « آداب » .
1 - السلطان .
وفي هذا الباب يظهر ابن المقفع إلماما حسنا بشؤون السلطة ، وتفهما لقضايا الإدارة ، ويقدّم جملة صالحة من الآراء والنصائح ليأخذ بها « صاحب السلطة » حفاظا على سلطته ، وخوفا من زوالها .
وأول ما يبسطه في هذا الصدد أن يسهر السلطان على عمله ، وأن يأخذ له من أوقات راحته ولهوه ، فتكون « الدعة بعد الفراغ » .
وفي هذا انتقاد يوجهه ابن المقفع لمن جعل السلطة مطيّة للفراغ ومدعاة للخمول والمتعة . ولذلك يحذر من السخرة في العمل ، « من فرّط في سخرة الملوك أهلكوه » ، كما يحذر ، صاحب السلطان من « حب المدح » كي لا يترك للناس ثلمة يقتحمون عليه منها ، لا سيما « أن قابل المدح كمادح نفسه » .
والحاجة إلى الولاية يجب أن تناط برضى اللّه ، وبرضى السلطان الأعلى ، ورعاية الناس ، كي لا تكون مطية للمال والجاه .
وعلى الوالي ، فوق ذلك ، أن يتخذ إخوانه وأعوانه وأصفياءه ، ورجال بطانته من « أهل الدين والمروءة في كل كورة وقرية » ، وألا يطلب الرأي افتخارا بل للانتفاع به إذا كان يطلب الذكر الحسن عند أهل الفضل .
ومن نظراته الصائبة ، تعذر إرضاء الوالي جميع الناس ، ولهذا ينصحه