تأمن غضبتهم إن صدقتهم . . إنهم إن سخطوا عليك أهلكوك ، وإن رضوا عنك تكلفت رضاهم ما لا تطيق » .
ثم يسأل من ابتلي بصحبة السلطان إذا كان قادرا على ارتضاء ذلك ، وإلا ، ينصحه « بالبعد منهم كل البعد والحذر منهم كل الحذر » .
وبالرغم من المام ابن المقفع بهذه الآداب ، لم يسلم من المصير المؤلم الذي ألمّ به .
* المقالة الثانية
وأكثر مطالب هذه المقالة في الأصدقاء ، ويتطرق فيها إلى الكلام على العدو وكيف يعامل ؛ وتشتمل على جملة من النصائح والمواعظ ، والدعوة إلى الإنصاف بمحاسن الخلال ، ومحامد الأخلاق .
وفي هذه المقالة ، ما يدلّ على اهتمام ابن المقفع بمكانة الصديق في حياة المرء ، ومنزلته منه ، وقيمة عونه ، ولا يفوته أن يدرك خطورة الأصدقاء الأوفياء . وخطر ذوي الأهواء منهم .
وهو يدعو إلى افتداء الصديق فيقول : « أبذل لصديقك دمك ومالك » .
وفي حياة ابن المقفع مواقف تدل على صدق هذه الدعوة ، وعلى إكباره قيمة الصداقة . وهو يرى ضرورة الحرص على الصديق وعدم إثارة سخطه بانتحال رأيه « تزينا به عند الناس » ، وعدم الضنّ عليه بما ينتحل هو من هذا الرأي . وفي مثل هذا السخاء مثالية معروفة في أخلاق الرجل .
ولا يرى ابن المقفع ضيرا من أن يخالط الصديق عدوّا لنا ، إذا كان أخا ثقة ، وليس في هذا مدعاة خوف ، بل ربما كان في هذا نفع ، فقد يكف عنّا بهذه المخالطة شرّا ، أو يستر منّا عورة ، ويوصي كذلك بالحفاظ على احترام الصديق فيقول « تحفّظ في مجلسك من التطاول على الأصحاب » .
ومن الحكمة عنده التحفظ في اتخاذ الصديق ، وعدم الإسراع في ائتمانه قبل الوثوق منه ولو أبدى الودّ ، خوفا من تقلبه ، لا سيما أن « الإنسان طبع على ضرائب لؤم » وينهى عن الادّعاء والاعتداد بالعلم بين الأصحاب « واستح الحياء كله من أن تخبر صاحبك أنك عالم وأنه جاهل مصرّحا أو معرّضا » .
وأهم ما في كلامه على الأصدقاء ، الإبطاء في اتخاذهم ، والرويّة في شأنهم والتثبّت من أمرهم ، والتأكد من مودّتهم ، وعدم الإسراع بعد