. . . . . . . . . .
شرح
الله عليهم من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبدا . ثم أقول :
هيهنا دقيقة أخرى وهي أنه يستفاد من قوله تعالى : "وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ« 1 » " أي نجد الخير ونجد الشر ، ومن نظائره من الآيات والروايات ، ومن قوله تعالى : "أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ« 2 » " ومن نظائره من الآيات والروايات أن تصوير النجدين وتمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى ، وأنه تعالى قد يحول بين المرء وبين أن يميل إلى الباطل ، وقد لا يحول ويخلي بينه وبين الشيطان ليضله عن الحق ويلهمه الباطل ، وذلك نوع من غضبه ، ويتضرع على اختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير ونجد الشر ، فهذا معنى كونه تعالى هاديا ومضلا ، وبالجملة أن الله يقعد أولا في أحد أذني قلب الإنسان ملكا ، وفي أحد أذنيه شيطانا ثم يلقى في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية ، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف والعمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه ، وإن عزم على إخفائها وإظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه ويخلي بينه وبين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية ، وهذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده " انتهى " .
وقال بعض المحققين في جواب استدلال الأشاعرة بقوله تعالى : "يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ *« 3 » " على مذهبهم الفاسد : هذا مدفوع بما فصله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية والضلالة ، وحاصله أن الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة والإرشاد نحو "إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى« 4 » " وبمعنى التوفيق نحو "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً« 5 » " وبمعنى الثواب نحو "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ« 6 » " وبمعنى الفوز والنجاة نحو "لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ« 7 » "
هامش
( 1 ) - سورة البلد : 10 .
( 2 ) - سورة الأنفال : 24 .
( 3 ) - سورة النحل : 93 .
( 4 ) - سورة الليل : 12 .
( 5 ) - سورة محمد : 17 .
( 6 ) - سورة يونس : 9 .
( 7 ) - سورة إبراهيم : 21 .