تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وجها معينا ولا نهى أحدا عن كتابته . ولذلك اختلفت خطوط المصاحف فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم الحال . ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفيّة والخطّ الأول ، وأن يجعل اللام على صورة الكاف ، وأن تعوّج الألفات ، وأن يكتب على غير هذه الوجوه ، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين ، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة ، وجاز أن يكتب بين ذلك . وإذا كانت خطوط المصحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة ، وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته ، وما هو أسهل وأشهر وأولى ، من غير تأثيم ولا تناكر علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص ، كما أخذ عليهم في القراءة والأذن ، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز ، فكل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت . وبالجملة فكلّ من ادّعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه وأنى له ذلك ! » « 1 » . وإن رأي القاضي أبي بكر هذا لجدير أن يؤخذ به ، وحجته ظاهرة ، ونظره بعيد ، فهو لم يخلط بين عاطفة الاجلال للسلف وبين التماس البرهان على قضية دينية تتعلق برسم كتاب اللّه . أما الذين ذهبوا إلى أن الرسم القرآني توقيفي أزلي فقد احتكموا في ذلك إلى عواطفهم ، واستسلموا استسلاما شعريا صوفيا إلى مذاويقهم ومواجيدهم ، والأذواق نسبية ، لا دخل لها في الدين ، ولا يستنبط منها حقيقة شرعيّة .
هامش
( 1 ) لقد أورد هذا النص ملخصا الزرقاني في « مناهله » ج 1 ص 373 - 374 ، ولكنه أتبعه بالرد عليه ، وبنقول من آراء العلماء في تفنيده ( 374 - 378 ) .