تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
واحترام الرسم العثماني واستحسان التزامه أمر يختلف اختلافا جوهريا عن القول بالتوقيف فيه ، فقد تضافرت آراء العلماء على ضرورة التزام هذا الرسم حتى قال الإمام أحمد بن حنبل : « تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك » « 1 » وسئل الإمام مالك : أرأيت من استكتب مصحفا أترى أن يكتب على ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم ؟ فقال : « لا أرى ذلك ، ولكن يكتب على الكتبة الأولى » « 2 » وروي في فقه الشافعية والحنفية أقوال من هذا القبيل ، ولكن أحدا من هؤلاء الأئمّة لم يقل : إن هذا الرسم توقيفي ، ولا سر أزلي ، وإنما رأوا في التزامه ضربا من اتحاد الكلمة واعتصام الأمة بشعار واحد ، واصطلاح واحد ، فواضع الدستور عثمان ، ومنفذه بخطه زيد بن ثابت ، « وكان أمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكاتب وحيه » . على أن من العلماء من لم يكتف بإباحة مخالفة الرسم العثماني ، بل صرّح فوق ذلك بأنّه اصطلاحي ، ولا يعقل أن يكون توقيفيا . وفي طليعة هؤلاء القاضي أبو بكر الباقلاني « 3 » في كتابه « الانتصار » فهو يقول : « وأما الكتابة فلم يفرض اللّه على الأمة فيها شيئا ، إذ لم يأخذ على كتّاب القرآن وخطّاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه ، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف . وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه ، أنّ رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود لا يجوز تجاوزه ، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك ، ولا دلت عليه القياسات الشرعية ، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر برسمه ولم يبين لهم
هامش
( 1 ) السيوطي ، الاتقان ج 2 ص 283 . ( 2 ) الداني ، المقنع ص 10 والسيوطي في ( الاتقان 2 / 283 ) ينقل هذا القول المنسوب إلى مالك ( رض ) من كتاب ( المقنع ) . وانظر أيضا البرهان 1 / 379 . ( 3 ) هو محمد بن الطيب الباقلاني صاحب كتاب « إعجاز القرآن » توفي سنة 403 ( انظر وفيات في وفيات الأعيان ج 1 ص 481 وفي شذرات الذهب ج 2 ص 75 .