تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى » . وقد مثلوا لذلك بنسخ الوضوء مما مست النار بأكله صلى اللّه عليه وسلم من الشاة ولم يتوضأ . على أننا في هذه البحوث القرآنية لن نعرض إلا لنسخ القرآن بالقرآن ، خشية أن نستطرد في إثارة بعض القضايا الأصولية التي تلقي على كتابنا طابعا خاصا جديرا بنا هنا أن نتحاشاه . وكنا نود لو سكتنا حتى عن الخلاف اللفظي في نسخ القرآن بالقرآن ، لئلا نضطر إلى ذكر حجج الفريقين وتصوير وجهتي نظرهما في ردهما كلتيهما إلى إثبات حقيقة النسخ في كتاب اللّه . ولكننا لا نستطيع إغفال مثل هذا الأمر الذي كان له في التشريع الإسلامي وفي البحث القرآني أصداء عميقة ، فلا مفر من الإشارة إلى رؤوس المسائل في هذا النزاع . لقد كان الجمهور - قبل أبي مسلم الأصفهاني - « 1 » آخذا بلا تردد بجواز النسخ في كتاب اللّه ، بل كان العلماء لا يتجشمون عناء كبيرا للاستشهاد بكثير من الآيات المنسوخة وإن كان بعضهم غلا في ذلك غلوا شديدا . ولكن أبا مسلم حين جاء برأيه في النسخ لم يبطله جملة وتفصيلا ، فإنه عالم محقق قرأ الآيات المصرحة بالنسخ ، وإنما أبطل منه ضروبا ظنها تتعارض مع قوله تعالى :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
« 2 » ، فآثر أن يسمي النسخ باسم التخصيص تجنبا لإبطال حكم قرآني أنزله اللّه . ولكن العلماء تصدوا لأبي مسلم وأضرابه يفرقون لهم بين النسخ والتخصيص : فتعريف التخصيص هو « قصر العام على بعض أفراده » ، وليس في هذا القصر رفع حقيقي للحكم عن بعض الأفراد ، لأن تناوله بعض الأفراد فقط إنما يكون سبيله المجاز ، فلفظ العام موضوع أصلا لكل الأفراد ، ولم يقصر على بعضها إلا بقرينة التخصيص . أما النسخ فيظل النص المنسوخ
هامش
( 1 ) هو محمد بن بحر ، المشهور بأبي مسلم الأصفهاني ، معتزلي من كبار المفسرين ، توفي سنة 322 ه أهم كتبه « جامع التأويل » في التفسير . ( 2 ) سورة فصلت 42 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 262 | صبحي الصالح