منه : إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب ، وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت حكم آية « 1 » .
والولوع باكتشاف النسخ في آيات الكتاب أوقع القوم في أخطاء منهجية كان خليقا بهم أن يتجنبوها لئلّا يحملها الجاهلون حملا على كتاب اللّه : لم يكن يخفى على أحد منهم أن القرآنية لا تثبت إلا بالتواتر ، وأن أخبار الآحاد ظنية لا قطعية ، وجعلوا النسخ في القرآن - مع ذلك - على ثلاثة أضرب : نسخ الحكم دون التلاوة ، ونسخ التلاوة دون الحكم ، ونسخ الحكم والتلاوة جميعا ، وليكثروا إن شاءوا من شواهد الضرب الأول ، فإنهم فيه لا يمسون النص القرآني من قريب ولا بعيد ، إذ الآية لم تنسخ تلاوتها بل رفع حكمها لأسرار تربوية وتشريعية يعلمها اللّه ، أما الجراءة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث اللذين نسخت فيهما - بزعمهم - تلاوة آيات معينة إما مع نسخ أحكامها وإما دون نسخ أحكامها .
والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأ مركبا : فتقسيم المسائل إلى أضرب إنما يصلح إذا كان لكل ضرب شواهد كثيرة أو كافية - على الأقل - ليتيسر استنباط قاعدة منها . وما لعشاق النسخ إلا شاهد أو اثنان على كل من هذين الضربين « 2 » ، وجميع ما ذكروه منها « أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها » « 3 » . وبهذا
هامش
( 1 ) قارن بالاتقان 2 / 36 - 37 .
( 2 ) أما الضرب الذي نسخت تلاوته دون حكمه فشاهده المشهور ما قيل من أنه كان في سورة النور :
« الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه » : انظر تفسير ابن كثير 3 / 261 . ومما يدل على اضطراب الرواية أن في صحيح ابن حبان ما يفيد أن هذه الآية التي زعموا نسخ تلاوتها كانت في سورة الأحزاب لا في سورة النور .
وأما الضرب الذي نسخت تلاوته وحكمه معا فشاهده المشهور في كتب الناسخ والمنسوخ : ما ورد عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « كان فيما أنزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، وتوفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن » ، قارن بالاتقان 2 / 35 .
( 3 ) هذا ما حكاه القاضي أبو بكر في « الانتصار » عن منكري نسخ التلاوة . وقارن بالبرهان 2 / 40 والاتقان 2 / 42 .