تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
فمن المبالغات أنهم قطعوا أوصال الآية الواحدة ، فزعموا أن أولها منسوخ وآخرها ناسخ ، كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
« 1 » فإن آخر الآية يدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو بذلك ناسخ - في نظر ابن العربي - لأولها الذي صرّح اللّه فيه بقوله :
« عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ »
« 2 » ، بل زعم ابن العربي أيضا أن قوله :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 3 » أوله وآخره منسوخان ووسطه محكم « 4 » . ومن المبالغات العجيبة إدراجهم في عداد المنسوخ ما أبطله القرآن من عادات الجاهلية وتقاليدها كتحريم نساء الآباء « 5 » ، وتشريع الدية « 6 » والقصاص « 7 » وحصر الطلاق في الثلاث « 8 » ، وما رفعه من شرائع من قبلنا كإباحة بعض المطعومات التي كانت محرمة عليهم ، وقد رجح المحققون من العلماء إخراج هذا كله من عداد الناسخ ، ووجّهوه بأن ذلك لو عدّ فيه لعدّ جميع القرآن
هامش
( 1 ) سورة المائدة 105 . ( 2 ) أحكام القرآن ( لابن العربي ) 1 / 205 . وقارن بالاتقان 2 / 32 والناسخ والمنسوخ ( لابن سلامة ) 153 . ( 3 ) سورة الأعراف 199 . ( 4 ) أحكام القرآن أيضا 1 / 388 . وقارن بالناسخ والمنسوخ ( لابن سلامة ) ص 170 ومن طريف ما ذكره ابن العربي من هذا القبيل أن قوله تعالى :فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ- وهي الآية الخامسة من سورة التوبة - ناسخة لمائة وأربع عشرة آية ، ثم صار آخرها ناسخا لأولها ، وهو قوله :فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ. انظر أحكام القرآن 201 . ( 5 ) كما في قوله تعالى :وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَمن سورة النساء وقارن بالناسخ والمنسوخ ( لابن سلامة ) 125 . ( 6 ) كقوله تعالى :فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍمن سورة النساء أيضا . ( 7 ) كقوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى ، الْحُرُّ بِالْحُرِّ ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى »من سورة البقرة ، وقد صرح ابن سلامة في ( الناسخ والمنسوخ ) ص 49 بأن هذه الآية نسخت بعض عادات الجاهليين الذين كانوا لا يرضون أن يقتلوا بالعبد منهم إلا الحر ، وبالمرأة منهم إلا الرجل ، فسوى اللّه بينهما في أحكام القصاص . ( 8 ) في قوله تعالى :الطَّلاقُ مَرَّتانِ ، فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، فمن عجيب أمر المفسرين أنهم جعلوا تحديد الطلاق في الثلاث نسخا لعمل الجاهلية التي لم تكن تقف في الطلاق عند عدد .