تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الإشارة إلى هذه القضايا المتشابكة في التنزيل المدني تغني عن تفصيل الجزئيات ولو كانت هذه الجزئيات لا تعدو الخطوط العريضة الكبرى . وبحسبنا - إن غضضنا النظر عن تعاقب المراحل المدنية ابتداء ووسطا وختاما - أن نومئ فقط إلى رؤوس المسائل التي وردت في سورة واحدة من المرحلة المدنية الأولى هي سورة الأنفال ، أو سورة بدر الكبرى كما كان يسميها عبد اللّه بن عباس « 1 » . افتتحت هذه السورة بالحديث عن الأنفال ، فالمعركة قد انتهت ، والنصر قد تحقق ، وبدأ المسلمون يختلفون في الغنائم والأسلاب . ثم رسمت صورة فريق من المؤمنين أقبلوا على المعركة كارهين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . ثم صورت استغاثة المؤمنين بربهم ، ومدّه لهم بالملائكة والنعاس والماء يذهب عنهم رجس الشيطان . ثم أمست عبارتها صاخبة بما توالى فيها من الأوامر والأحكام العسكرية المتعلقة بالفرار يوم الزحف . ويمتن اللّه - بعد ذلك - على المؤمنين بالنصر ، فما قتلوا عدوهم ولكن اللّه قتلهم ، وما النصر إلا من عند اللّه ، وتتعاقب التعاليم الدينية والأخلاقية للمؤمنين بعد المعركة ، فليطيعوا اللّه والرسول ، وليحذروا الفتن العامة التي يختلط فيها الفاسد بالصالح ، وليحذروا خيانة اللّه وخيانة أماناتهم وهم يعلمون . وتستعرض السورة - في غضون هذه التعاليم - صورا من مكر الكافرين وعنادهم ، وتقرر مبادئ عامة في اضمحلال القوى الكافرة واستحالة أموالها حسرات عليها . ثم تنذر الكافرين بقتالهم لحماية العقيدة ونشر دين اللّه ، وتتحدث عن الغنائم وطريقة توزيعها ومصارفها ، وتصور جانبا من معركة بدر وتفصل وقائعها حين كان المؤمنون بالعدوة الدنيا والمشركون بالعدوة القصوى والركب أسفل منهم ، وترتدّ إلى المؤمنين كرة أخرى تحذرهم من الاغترار بالنصر ، ومن السير للقتال بطرا ورياء ، وتعرض عليهم صورة الكافرين على
هامش
( 1 ) قارن بتفسير الرازي 4 / 346 .