تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
المدينة في السور المكية وما يشبه تنزيل مكّة في السور المدنية « 1 » ، وغرضهم من التعبير « بالتشبيه » واضح ، فإنهم يلاحظون الطابع العام لكل سورة ثم ما يشبه هذا الطابع شبها قريبا يكاد يلحقه به ، فإذا وجدت في سورة هود المكية مثل قوله تعالى :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ . . .
« 2 » فليس من الضروري أن تعتبرها مدنية وإن أشبهت التنزيل المدني . وإذا تلوت في سورة الأنفال المدنية مثل قوله تعالى :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 3 » فليس لك أن تحكم بأنها مكية ولو كان فيها من التنزيل المكي ظلال وسمات . وكثيرا ما يصرف وجه الشبه القريب بين المكي والمدني الباحثين المتسرعين عن تتبّع مرحلة دقيقة خطيرة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، حين تستدعي ظروف معينة حمل النازل القرآني من مكان إلى مكان . ولكن العلماء الثقات وافونا بذلك كله ، فلكل آية في القرآن تاريخها ، بل لكل لفظة فيه سيرتها وترجمتها : فمن شيخ المفسرين الطبري علمنا أن قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
« 4 » حمل من المدينة إلى مكّة « 5 » ، ومن القرطبي « 6 » علمنا أن قوله تعالى :
هامش
( 1 ) انظر البرهان 1 / 196 . ( 2 ) في تفسير القرطبي 9 / 110 - 111 أنها نزلت في رجل من الأنصار يسمى أبا اليسر بن عمرو . وفي ( البرهان 1 / 196 ) أنها نزلت في أبي مقبل الحسين بن عمر بن قيس والمرأة التي اشترت منه التمر ، فراودها . والآية في سورة هود 114 . ( 3 ) سورة الأنفال 32 ( وانظر البرهان 1 / 197 ) ومن ذلك أن بعض العلماء استثنى من سورة الأنفال المدنية أيضا قوله تعالى :وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَالآية 30 فقالوا : إنها مكية ، ولكن السيوطي في ( الاتقان 1 / 24 ) لا يصوب ذلك ويقول : « يرده ما صح عن ابن عباس أن هذه الآية بعينها نزلت بالمدينة كما أخرجناه في أسباب النزول » . ( 4 ) سورة البقرة 217 . ( 5 ) تفسير الطبري 2 / 201 - 206 وانظر البرهان 1 / 203 - 204 . ( 6 ) هو الإمام أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي المشهور بالقرطبي . صاحب « الجامع لأحكام القرآن » توفي سنة 671 ه .