تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
جزئية مهما تكن تافهة في نظرنا الآن إلا وهي على لسان الراوي شيء له قيمته الدينية والاجتماعية ، فليصوّرها تصويرا واقعيا أمينا ، ولا ينقصنّ منها ولا يزيدنّ عليها : أولئك هم الناس يتفرّقون عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الأحزاب إلا اثني عشر رجلا فيخاطب عليه السلام الصحابي الجليل حذيفة قائلا : « قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب » ، فيجيبه حذيفة : والذي بعثك بالحق ما قمت لك إلا حياء . . . من البرد ! فأنزل اللّه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها ، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً
« 1 » . ونجد في المقابل أنّ الآيات النازلة في غزوة تبوك إنما كانت في شدة الحر ، وأنّ رجلا من المنافقين قال يومئذ : لا تنفروا في الحر ، فأنزل اللّه :
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
« 2 » . وإذا كان أكثر القرآن نزل في الحضر فإن تنقل الرسول صلى اللّه عليه وسلم في سبيل الدعوة جعله يتلقى الوحي أحيانا في بعض أسفاره ، تثبيتا لفؤاده ، وتأييدا لجهاده ، وكثيرا ما يعبّر الرواة عن هذا بمثل قولهم : نزلت الآية أو الآيات على النبي صلى اللّه عليه وسلم في « مسير » له . ويغلب عليهم تعيين هذا المسير ، وتحديد السفر ومكانه وزمانه : وفي الصحيح عن عمر أن قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
« 3 » نزل عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع . وفي « دلائل » البيهقي أنّ خاتمة سورة النحل نزلت بأحد والنبي صلى اللّه عليه وسلم واقف على حمزة حين استشهد « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب 9 ؛ والحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( انظر الاتقان 1 / 37 ) . والإمام البيهقي منسوب إلى بيهق . وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخا منها ، وللبيهقي كتب كثيرة قيل إنها نحو الألف ، وأشهرها السنن الكبرى ، ودلائل النبوة . وقد توفي هذا الإمام الكبير سنة 458 ( انظر الرسالة المستطرفة ص 25 - 26 ) . ( 2 ) سورة التوبة 81 ( وانظر الاتقان 1 / 31 ) . ( 3 ) سورة المائدة 3 ( وانظر الاتقان 1 / 31 ) . ( 4 ) الاتقان 1 / 32 .