تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
ولعلنا لا نرتاب - إذا وضعنا العلوم القرآنية موضع الموازنة - في أن العلم بالمكي والمدني أحوجها إلى تمحيص الروايات ، وتحقيق النصوص ، والتحاكم إلى التاريخ الصحيح . وهو - على كل حال - أحوج إلى هذا كله من « أسباب النزول » ، لأن العلم بتلك الأسباب يتناول ضروبا معينة من الجزئيات المتعلقة بالمناسبات الفردية والاجتماعية ، ولا يتناول شيئا من التفصيلات القرآنية الأخرى التي نزلت ابتداء غير مبنية على أسباب « 1 » ، أما العلم المكي والمدني فلا غنى له عن تناول القرآن كله سورا وآيات : فكل سورة فيه إمّا مكية أو مدنية ، وقد تستثنى من السورة المكية آيات مدنية ، ومن سورة المدنية آيات مكية ، كما أن كل آية في القرآن معروفة « الهوية » واضحة السيرة ، فإذا اختلطت بغير زمرتها أخضعها العلماء الثقات لمقاييسهم النقدية الدقيقة حتى قطعوا أو كادوا يقطعون بأنها تنتمي إلى النوازل المكية أو المدنية . كان العلم بالمكي والمدني إذن خليقا بالعناية البالغة التي أحيط بها ، وجديرا أن يعدّ بحقّ منطلق العلماء لاستيفاء البحث في مراحل الدعوة الإسلامية ، والتعرّف على خطواتها الحكيمة المتدرجة مع الأحداث والظروف والتطلع إلى مدى تجاوبها مع البيئة العربية في مكة والمدينة ، وفي البادية والحاضرة ، والوقوف على أساليبها المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين وأهل الكتاب . ووفاء هذا العلم بتلك المعارف الواسعة جعل بحوثه أشتاتا وألوانا : فهو في آن واحد ترتيب زماني ، وتحديد مكاني ، وتبويب موضوعي ، وتعيين شخصي . ويخيّل إلينا أن هذه الألوان المتباينة جميعا قد طافت بأذهان العلماء حين ترددوا في تقسيم المكي والمدني على أساس من المكان أو الزمان أو الأشخاص . فمن قال : « المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة ، والمدني ما نزل بالمدينة » لاحظ المكان ، ومن قال : « المكي ما وقع خطابا لأهل مكّة ، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة » راعى أشخاص المخاطبين ، ومن آثر الأخذ بالاصطلاح
هامش
( 1 ) انظر ما أوضحناه في الصفحات الأولى من الفصل السابق .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 167 | صبحي الصالح