القرآن في نفسه إما أن يكون معجزا أو لا يكون . فإن كان معجزا فقد حصل المطلوب . وإن لم يكن معجزا بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوافرة على الإتيان بهذه المعارضة ، وما كان لهم عنها صارف ومانع ، وعلى هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجبا لازما ، فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضا للعادة فيكون معجزا . فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب » « 1 » نقله « ابن كثير » ورأى أن هذه الطريقة إنما تصلح على سبيل التنزل والمجادلة ، لكنها غير مرضية ، لأن القرآن في نفسه معجز ، قال :
« وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة ، وقول المعتزلة في الصرفة ، فقال : إن كان القرآن معجزا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته ، فقد حصل المدعى وهو المطلوب . وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا مع شدة عداوتهم له ، كان ذلك دليلا على أنه من عند اللّه لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك .
« وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية ، لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا ، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق . وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر وإنا أعطيناك الكوثر » « 2 » .
والمسألة كما ترى ، قد عولجت في مجال الجدل النظري وإن آلت بالمعتزلة أنفسهم ، بعد الجيل الأول من شيوخهم ، إلى أن اعتبار الصرفة وجها من وجوه الإعجاز ، لا يعطل النظر في وجه إعجازه البلاغي . والذين ذكروا الصرفة ، من غير المعتزلة ، استيعابا لمذاهب المتكلمين في الإعجاز ، لم يلبثوا أن خصوا إعجازه البلاغي بالعناية والاهتمام .
* * *
هامش
( 1 ) التفسير الكبير للرازي : 5 / 446 ط الشرفية سنة 1323 .
( 2 ) تفسير ابن كثير : 1 / 11 .