تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
فكان التحدي يجب أن يقع بذلك المنع لا بالقرآن . حتى لو لم ينزل اللّه تعالى القرآن ولم يظهر أصلا ، وجعل دليل نبوته امتناع الكلام عليهم على الوجه الذي اعتادوه ، لكان وجه الإعجاز يختلف . وهذا مما نعلم بطلانه باضطرار ، لأنه عليه الصلاة والسلام تحدى بالقرآن وجعله العمدة في هذا الباب . على أن ذلك ، لو صح ، لم يقدح في صحة نبوته ، لأنه كان يكون بمنزلة أن يقول صلى اللّه عليه وسلم : دلالة نبوتي أنى أريد المشي في جهة فيتأتى لي على العادة ، وتريدون المشي فيتعذر عليكم . . فإذا وجد الأمر كذلك دل على نبوته ، لكون هذا المنع على هذا الوجه ناقضا للعادة . وإن أراد الوجه التالي مما قدمناه - أي أن المنع مستمر - فهو الذي يعول عليه . لأنا نعلم أن للقرآن المزية في الفصاحة من حيث يحتاج إلى قدر من العلم لم تجر العادة بمثله أن يفعله تعالى فيهم . . . « فأما ادعاء السائل أنه صلى اللّه عليه وسلم توافرت دواعيه وأتى بمثل القرآن ، وانصرفت دواعيهم عن فعل مثله فلذلك لم يأتوا به ، وأن وجه التحدي في ذلك وقوع الصرف فيهم عن مثله ، فبعيد . لأنا نعلم باضطرار توافر دواعيم إلى إبطال أمره والقدح في حاله ، حتى لم يبق وجه في الدواعي إلا توافر فيهم ، فكيف يصح مع ذلك ادعاء ما ذكرت ؟ « فإن قلت : إن دواعيهم وإن توافرت فإنه تعالى صرفهم عن ذلك بجنس من الدواعي ، فهذا يوجب إثبات ما لا يعقل من الدواعي . وإن قلت : إنه تعالى صرفهم بمنع ، فهو الذي بيّنا فساده من قبل . وهذه الجملة تبطل قول من يتعلق في إعجاز القرآن بذكر الصرفة ، لأنها إذا كشفت فلا بد من أن يراد بها بعض ما بينا فساده . ولا معتبر بالعبارات في هذا الباب وإنما المعتبر بالمعاني » « 1 » . إلى هذا المدى ، يمضى عبد الجبار المعتزلي في الرد على من يتعلق في إعجاز القرآن بالصرفة ، وبيان وجه فساده إن اعتبر فيها بالألفاظ الموهمة احتمال
هامش
( 1 ) المغنى : 16 / 217 وما بعدها .