تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
فبصرف النظر عن المعجزة ذاتها ، يكفى عجز البشر عنها لتكون الآية والبرهان . أو كما قالوا افتراضا : « ولو كان اللّه عز وجل بعث نبيّا في زمان النبوات ، وجعل معجزته في تحريك يده أو مدّ رجله في وقت قعوده بين ظهراني قومه ، ثم قيل له : ما آيتك ! فقال : ( آيتي أن أحرك يدي أو أمد رجلي ، ولا يمكن أحدا منكم أن يفعل مثل فعلى ) - والقوم أصحاء الأبدان لا آفة بشيء من جوارحهم - فحرك يده أو مد رجله ، فراموا أن يفعلوا مثل فعله فلم يقدروا عليه ، كان ذلك آية دالة على صدقه ، وليس ينظر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي ولا إلى فخامة منظره ، وإنما تعتبر صحتها بأن تكون أمرا خارجا عن مجارى العادات ناقضا لها ، فمهما تكن بهذا الوصف ، كانت آية دالة على صدق من جاء بها » . ويبدو أن مثل هذا الاحتجاج للنبوة بصرف الهمم عن معارضة القرآن ، قد أوقع في شبهة أن إعجازه البلاغي غير معتبر عند من لم ينظروا إليه . وذلك ما التفت إليه أعلام المعتزلة أنفسهم ، فجهدوا في تقرير وجه إعجاز فصاحته ونظمه ، وتجردوا للاحتجاج له . فالجاحظ ، وهو من تلاميذ « النظّام » صنف كتابه ( نظم القرآن ) احتجاجا لإعجاز هذا النظم ، ومخالفا به رأى من اكتفوا فيه بالقول بالصرفة ، دون نظر إلى بلاغته المعجزة التي تفوت بلاغات البشر « 1 » . والذي فهمته من كلام القاضي عبد الجبار ، وهو من أقطابهم ، هو أن الاعتبار الأول عنده لإعجاز القرآن من جهة فصاحته ، وأن القول بالصرفة حجة ملزمة لمن قالوا بها . قال في مبحث « بيان صحة التحدي بالكلام الفصيح » : « فإن قال - السائل - : هلا قلتم إن التحدي بالقرآن يصح لأمر يرجع إلى
هامش
( 1 ) لم يصل إلينا ( نظم القرآن للجاحظ ) وإنما جاءت إشارات إليه في ( حجج النبوة ) وانظر معه كلام الجاحظ في ( البيان والتبيين : 1 / 383 ) في إعجاز نظم القرآن وكيف خالف جميع الكلام ، منظومه ومنثوره .