حسمت قضية التحدي بعجز العرب المشركين في عصر المبعث ، عن أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن .
لتظل قضية الإعجاز معروضة على الأجيال المتعاقبة ، تلقاهم بهذا السؤال :
لما ذا أعيا العرب أن يأتوا بسورة من مثله ، وقد تحداهم أن يفعلوا ، وليدعوا من استطاعوا ، وليستظهروا بالجن مجتمعين ؟ « 1 » وقد نزل القرآن بلغتهم ، وكانت في عصر نزوله في عز أصالتها ونقائها ، لم تشبها شائبة من عجمة ، ولا اختلطت بغيرها من الألسن .
فكيف عجز شعراؤهم الفحول وأمراء البيان من بلغائهم ، ممن عبأتهم قريش لحربها ضد الرسالة والرسول ، أن يأتوا بسورة من مثل سوره القصار ، وهم الذين خاضوا المعركة ضد الإسلام بسلاح الكلمة وأجهدوا قرائحهم في هجاء المصطفى عليه الصلاة والسلام بقصائد مطولات « 2 » ، كان يغنى عنها أن يجتمعوا على الإتيان بسورة من مثل هذا القرآن ؟
سورة واحدة فحسب ، كانت تعفيهم كذلك من التورط في حملة الاضطهاد السفيهة الشرسة التي أرهقوا بها من أسلم منهم ، وتكفيهم شر الحرب التي صلوا نارها سنين عددا وأكلت فلذات أكبادهم وحصدت رؤوس صناديدهم .
« لو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم ، لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة ولم يركبوا الفواقر المبيدة ، ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول إلى الحزن الوعر من الفعل . هذا ما لا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لب . وقد كان قومه قريش موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب ، وقد كان فيهم
هامش
( 1 ) لم نر الوقوف عندما نقله بعضهم من هذيان مسيلمة الكذاب وأمثاله ممن ادعوا النبوة بعد عصر المبعث ، فهي أهون من أن توضع في الميزان أو تدخل في القضية الكبرى للتحدى والمعاجزة .
( 2 ) تجد جملة وافرة من هذه القصائد في ( السيرة النبوية ، لابن إسحاق ) وفي ( تاريخ الطبري ) : عصر المبعث .