تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
على حين أبطل « القاضي عبد الجبار » قول من قال : إن مقتضى تحدى الإنس والجن بالقرآن ، ألا نعلم كونه معجزا إلا بعد أن نعلم تعذر المعارضة على الجن . أبطله بقوله : « قد بينا أنا نعتبر في كونه القرآن ناقضا للعادات ، العادة المعروفة دون ما لا نعرف من العادات ، فإذا لم يكن لنا في العقل طريق إلى معرفة الجن أصلا لأنهم لا يشاهدون ولا تعرف أحوالهم بغير المشاهدة ، فقد كفانا في معرفة كون القرآن معجزا ، خروجه عن عادة من تعرف عادته . ثم إذا علمنا بذلك صحة نبوته وخبّرنا صلى اللّه عليه وسلم بالجن وأحوالهم ، وأنهم كالإنس في تعذر المعارضة عليهم ، علمنا أن حالهم كحال العرب ، لأن العلم بإعجاز القرآن موقوف على هذا العلم . « يبين ذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم لو لم يخبرنا بالجن ، كنا لا نعلم إيمانهم أصلا ، وكان لا يقدح ذلك في العلم بأن القرآن معجز . وكذلك القول في فقد المعرفة بحالهم . ولولا الخبر الوارد كنا لا نقول إن المعارضة متعذرة فكان لا يقدح في كون القرآن معجزا ، وكان يحل ذلك محل أن يجعل دلالة نبوته تمكنه من حمل الجبال الراسيات وطمر البحار ، في أن ذلك إن تعذر على الإنس فقد صار دالّا على نبوته وإن لم نعلم تعذره على الجن أو الملائكة » « 1 » . وفهمنا لمعاجزة الجن ، على ما قدمنا من توابع الشعراء يظاهرونهم ويلهمونهم ، يغنينا عن الخوض في مثل هذا الجدل الغريب والتعلق بمعتقدات العرب في الجن ومغامرات شعرائهم مع الغيلان ، احتجاجا لفوت القرآن فصاحة الجن ! وقد نرى عجبا من العجب ، أن يسوق الباقلاني شعرا لتأبط شرّا وذي الرمة وغيرهما ، ليحكم به على مستوى كلام الجن والغيلان من جهة الفصاحة !
هامش
( 1 ) المغنى : 16 / 279 .
الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 72 | عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ )