وتُغيب الإنسان عن نفسه .
وهذا التشتيت والتقطيع والتغييب ، يَضُرُّ الإنسان ، ويفسده ويغرّبه ( يشعره بالغربَة ) ، ويحجبه عن أصوله وشمله ، فلابد للإنسان من محل يثوب إليه ، يجمع شملهم بعضهم ببعض ، ويصل الإنسان بأصوله ، ويعيد الإنسان إلى نفسه .
والكعبة هي هذه المثابة التي جعلها الله تعالى للناس ، فهي تجمع الناس كل سنة مرة منذ أن أذّن إبراهيم ( ع ) في الناس بالحج إلى اليوم
( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ )
.
ويجمع الناس في كل يوم خمس مرات من شتى مناطق الأرض ، يستقبلونها في صلواتهم ، يقول تعالى :
( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )
. « 1 » فيجد المسلمون الموحّدون ، الذين أسلموا وجوههم لله على ملّة إبراهيم في الكعبة مثابة لهم ، تجمعهم كلّما تشتتوا ، وتوحّد حركتهم كلما تفرقت بهم المذاهب والمسالك في الحياة الدنيا .
وتصل الخلف بالسلف ، كلما قطعت الحياة الدنيا هذه الأواصر التي تربط الأبناء بالآباء ، فيعيدهم البيت الحرام إلى آبائهم وأصولهم إبراهيم وإسماعيل ، ويأمرهم الله تعالى أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى )
.
فيذكّرهم ( المقام ) بإبراهيم ، و ( الحجر وزمزم ) بإسماعيل و ( الصفا والمروة ) بهاجر ، ويذكرهم البيت الحرام بالأنبياء الذين طافوا بهذا البيت ، وحجوا إليه ( عليهم السلام ) .
وإذا عاد الناس الذين أسلموا لله حنفاء ، بعضهم إلى بعض ، وعادوا إلى أصولهم وأسلافهم . . . عادوا إلى أنفسهم ، ولم يضيعوا في زحمة الحياة .
فالكعبة تشعر هذه الأمة بعرضها العريض على وجه الأرض ، وعمقها
هامش
( 1 ) البقرة : 144