والسنن إلّا هذا الحديث فكيف يعتمد على قول رجل ليس له إلّا رواية واحدة ، أفيمكن الاعتماد عليه في تهديم الآثار الإسلامية التي اهتمّ ببقائها المسلمون كافّة ، عبر قرون .
وأمّا دلالة الحديث فهي كسنده ، وذلك لأنّ الوارد في الحديث :
« ولا قبراً مشرفاً إلّا سوّيته »
ففقه الحديث يتوقّف على تفسير ذينك اللفظين :
1 . مشرفاً . 2 . سوّيته .
أمّا الأوّل : فهو مردّد بين كونه بمعنى العالي ، ومطلق الارتفاع . أو المرتفع على شكل سنام البعير ، وهذا هو المراد كما سيوافيك .
وأمّا الثاني فإنّ فعل التسوية إذا كان ذا مفعول واحد يكون وصفاً لنفس الشيء ، يقول تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
« 1 » وإذا كانت ذا مفعولين فالمفعول الثاني يتعدّى بالباء ، نظير قوله
سبحانه :
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
« 2 » يراد بها مساواة الشيء مع الشيء الآخر في المقدار ؛ والآية من القسم الأوّل فيتعيّن أن تكون التسوية وصفاً لنفس القبر بنفسه لا بالقياس إلى شيء آخر مثل الأرض ، فيكون المراد جعل سطحه مستوياً ومسطحاً على خلاف القبور التي تبنى على شكل ظهر السمكة وسنام البعير ، فيكون الحديث دليلًا على لزوم تسوية القبر وتسطيحه ، وأين هذا من تهديم القبر وجعله مساوياً للأرض .
وممّا يدلّ على ما ذكرنا من المعنى أنّ مسلماً أورد الحديث وحديثاً آخر تحت عنوان ( باب الأمر بتسوية القبر ) « 3 » ، ولو كان المراد هدم القبر يجب أن يقول : تسوية القبر بالأرض .
ثمّ إنّا نغض النظر عن كلّ ما ذكرنا ، فالحديث على فرض الدلالة ناظر إلى القبر لا إلى القباب والأبنية فوق القبر ، فبأي دليل تهدم هذه الآثار التي تعد كالمظلّة لمن يريد زيارة القبور وقراءة القرآن .
هامش
( 1 ) . الشمس ، آية 7 .
( 2 ) . الشعراء ، آية 98 .
( 3 ) . النيشابوري ، صحيح مسلم ، ج 3 ، ص 61 ، كتاب الجنائز .