ثمّ إنّ هنا سؤالين لابدّ من الإجابة عنهما :
1 . اتّهام نظرية المشهور بالإرجاء .
2 . تعامل النبي مع المنافقين .
أمّا السؤال الأوّل ، فربّما يقال : أي فرق بين نظرية الجمهور حيث اكتفوا بالتصديقين من دون إدخال العمل بالفرائض في صميم الإيمان ، وما عليه المرجئة الذين اشتهروا بقولهم : « لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة » ؟
أقول : بين النظريتين بعد المشرقين ، وذلك لأنّ القول بأنّ الإيمان هو التصديقان ، لا يُدخل القائل في عداد المرجئة إذا كان مهتمّاً بالعمل ، لأنّ جمهور العلماء يرون النجاة والسعادة فيه ، وأنّه لولاه لكان خاسراً غير رابح ، أمّا المرجئة فهم الذين يهتمّون بالعقيدة ولا يهتمّون بالعمل ولا يعدّونه عنصراً مؤثّراً في الحياة الأُخروية ويعيشون على أساس العفو والرجاء ، فهم يهتمّون بالرغبة ولا يهتمّون بالرهبة ، والله سبحانه يقول :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
« 1 » فكلام الجمهور على طرف النقيض ممّا هم عليه ، خصوصاً على ما نقله شارح المقاصد من المرجئة بأنّهم ينفون العقاب على الكبائر إذا كان المرتكب مؤمناً على مذهبهم . « 2 »
وقد شعر أئمة أهل البيت بخطورة الموقف ، وعلموا بأنّ إشاعة هذه الفكرة عند المسلمين عامّة ، والشيعة خاصّة ، سترجعهم إلى الجاهلية ، فقاموا بتحذير المجتمع الإسلامي من خطر المرجئة فقالوا :
« بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة » . « 3 »
) كيف يمكن القول بأنّ التصديقين سبب النجاة يوم القيامة ، والله سبحانه يقول :
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ
. « 4 »
هامش
( 1 ) . العصر ، آيات 2 - 3 .
( 2 ) . لاحظ : تفتازانى ، شرح المقاصد ، ج 2 ، ص 229 و 238 .
( 3 ) . الكليني ، الكافي ، ج 6 ، ص 47 ، الحديث 5 .
( 4 ) . البلد ، آيات 11 - 17 .