تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
اللطف بهم والأخذ لهم بأدنى أحوالهم إلى التخلّص ؛ ولأجل هذا لم يوقت مالك في الوضوء مرّة ولا مرّتين ولا ثلاثاً إلّا ما أسبغ . قال : وقد اختلفت الآثار في التوقيت ، يريدُ اختلافاً يبيّن أنّ المراد معنى الإسباغ لا صورة الأعداد . وقد توضّأ النبيّ ( ص ) كما تقدّم ، فغسل وجهه بثلاث غرفات ، ويده بغرفتين ، لأنّ الوجه ذو غضون ودحرجة واحْدِيداب ، فلا يسترسل الماء عليه في الأغلب من مرّة ، بخلاف الذراع فإنّه مسطّح فيسهل تعميمه بالماء وإسالته عليها أكثر ممّا يكون ذلك في الوجه . فإن قيل : فقد توضّأ النبيّ ( ص ) مرّة مرّة وقال : « هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلّا به » ، وتوضّأ مرّتين مرّتين وقال : « من توضّأ مرّتين مرّتين آتاه اللَّه أجره مرّتين » ، ثمّ توضّأ ثلاثاًثلاثاً وقال : « هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ، ووضوء أبي إبراهيم » ، وهذا يدلّ على أنّها أعداد متفاوتة زائدة على الإسباغ ، يتعلّق الأجر بها مضاعفاً على حسب مراتبها . قلنا : هذه الأحاديث لم تصحّ ، وقد ألقيت إليكم وصيّتي في كلّ وقت ومجلس ألّا تشتغلوا من الأحاديث لما لا يصحّ سنده ، فكيف يبتني مثل هذا الأصل على أخبار ليس لها أصل ؛ على أنّ له تأويلًا صحيحاً ، وهو أنَّه توضّأ مرّة مرّة وقال : « هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلّا به » ؛ فإنّه أقلّ ما يلزم ، وهو الإيعاب على ظاهر هذه الأحاديث بحالها ، ثمّ توضّأ بغرفتين وقال : « له أجره مرّتين في كلّ تكلف غرفة ثواب » ، وتوضّأ ثلاثاً وقال : « هذا وضوئي » ، معناه الذي فعلته رفقاً بأُمّتي وسنّة لهم ، ولذلك يكره أن يزاد على ثلاث ؛ لأنّ الغرفة الأولى تسنّ العضو للماء ، وتذهب عنه شعث التصرّف ، والثانية تَرْحَض [ أي تغسل ] وضر [ الوضر : وسخ الدسم واللبن ] العضو ، وتدحض وَهجه ، والثالثة تنظّفه ، فإن قصرت درْبَة أحدٍ عن هذا كان بدويّاً جافياً ، فيعلّم الرفق حتّى يتعلّم ، ويُشْرَع له سبيل الطهارة حتّى ينهض إليها ، ويتقدّم ، ولهذا قال من قال :
وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع — صفحة 336 | السيد علي الشهرستاني