سبق قد اغظنا أحداً ، بل إنّها كانت رؤية ألزمنا الطبريّ وابن الأثير وغيرهم من المؤرّخين بطرحها ، ونحتمل أن تكون هي إحدى تلك الأسباب التي تخوّفوا من نقلها رعاية لحال العامّة ! !
لكنّا وكما قلنا سابقاً نعتقد أنَّ مناقشة النصوص والوقوف على الحقيقة ، ضرورة علميّة ينبغي متابعتها في جميع الأخبار التاريخيّة ، وأنَّ طرح رأي أو ترجيح آخر في مثل تلك الدراسات لا يُعاب عليها الباحث ، إذ الأدلّة هي التي تلزمه الطرح أو الترجيح .
أمّا تصوّر ذلك عند المؤرّخين - كما رأيناه عند الطبريّ وابن الأثير وذكرهم لخبر العاذرين لمعاوية في نفيه لأبي ذرّ مع وجود أخبار أُخرى ، أو استبعاد ابن الأثير صدورها مع تواتر النقل فيها ، فنراه هو القبح بعينه ، لانّهم مؤرّخون ، والمؤرّخ من شأنه أن لا ينحاز في نقله للأحداث إلى جهة دون أُخرى ، هذا وإنَّ رسالة من بالمدينة من أصحاب محمّد إلى من بالآفاق ، ورسالة المهاجرين إلى مَن بمصر من الصحابة ، وكلمات الصحابة ومواقفهم من إحداثات عثمان ، والتقرّب بدمه إلى اللَّه ، وغيرها . . . إنّما يعضد بعضها البعض ويرجّح ما توصّلنا إليه من أنَّ الثورة على الخليفة عثمان كانت تستبطن أمراً دينيّاً ، وأنّه قتل لإحداثاته تلك وإن كنّا لا ننكر ما للدوافع الماليّة والاقتصاديّة من دور في الأمر .
علماً بأنّه لم يَقُل أحد في سبب قتل عمر بن الخطّاب أو علي بن أبي طالب إنَّه كان بسبب إحداثهما ، بل نرى المسلمين يبكون عليهما ويشيّعونهما ويصلّون عليهما ويوارونهما التراب بحزن وأسى ، وألقوا القبض على قتلتهما ، ولم ترهم يفعلون ذلك مع عثمان بل كفَّروه لما فعله في الستِّ الأواخر من حياته ورموه بالابتداع والاحداث وزهدوا فيه بعد قتله ، فلم يواروه التراب إلّا بعد ثلاثة أيّام « 1 » !
هامش
( 1 ) لاحمد امين كلام : مثل ما قلناه في يوم الاسلام ، تقدّم .