وأساساً إنّ كلَّ ما يثبُتُ عن طريق النقل المتواتر ، ولكن لا يقدر الإنسان على التحقّق منه ، ومشاهدته لا يجوز له أن ينكره أو يتردّد في القبول به ما دام رُوِيَ ونُقِلَ بالتّواتر الموجب للاطمئنان ، لأنّ قِسماً من الأحكام الإلهيّة التي هي من مسلّمات الدين الإسلاميّ وضروريّاته سيتعرَّض للتردِيد والإنكار إذا تجاهَلْنا هذه القاعدةَ العقلائيةَ الصائبةَ ، وهذا الأمر العرفي معقول جداً .
وغيبةُ الإمام المهديّ عجل اللَّه فرجَه الشريف ليس بمستثنىً من هذه القاعدة ، وعَدَم الاطّلاع على سِرّها أو أسرارها الحقيقية لا يجوزُ الترديدُ فيها ، وإنكارُها .
ومع ذلك فإنّنا يجب أن نقول : إنّه من الممكن إدراك سرّ الغيبة هذه في حدود فكرِنا البشريَّ وهذا السِّر هو ما يلي :
حيث إنّ آخرَ حُجَّةٍ من حَجَج اللَّه وآخر إمامٍ من أئِمة أهلِ البيت قد أرادَ اللَّهُ تعالى أن يُحقّق به الأُمنيةَ الكبرى ( وهي بسط العدل والقسط ورفع راية التوحيد على كل ربوع الأرض ) وهذه الأُمنية الكبرىوهذا الهدف العظيم لا يمكن أن يَتحقق إلّابعد مرور ردح من الزمان ، وإلّا بعد تكاملِ العقلِ البَشَريّ وتهيّؤهِ الروحيِّ والنفسِيّ لذلك ، حتى يستقبلَ العالَمُ - بشوقٍ ورغبةٍ - موكبَ الإمام والمصلح العالميّ ، موكبَ العَدلِ والحريّةِ والسلامِ ، لهذا فإنّ منَ الطبيعيّ أنّ هذا الإمام لو ظَهَرَ بين النّاس ، وعاشَ بين ظهرانيِّهم قبلَ نُضُوج الأمر ، وحصولِ المقدّمات اللازِمة ، والأرضيّة المناسبة ، كان مَصيرُه ومآلهُ ، مصيرَ من سَبَقه من آبائِه من الأئمِةِ
دليل المرشدين إلى الحق اليقين — صفحة 260
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٦٠