وبعبارة أُخرى : إنّ الآية حثّت على الشورى فيما يمتّ إلى شؤون المؤمنين بصلة ، لا فيما هو خارج عن أُمورهم ، أمّا كون تعيين الإمام داخلًا في أُمورهم ، فهو أوّل الكلام ، إذ لا ندري هل هو من شؤونهم أو من شؤون اللَّه سبحانه ؟ ولا ندري هل هي إمرة وولاية إلهية تتم بنصبه سبحانه وتعيينه ، أو إمرة وولاية شعبية ، يجوز للناس التدخّل فيها ؟ ومع هذا الترديد لا يصحّ التمسّك بالآية .
هل البيعة أساس الحكم ؟
ربّما يتصوّر أنّ البيعة أساس الحكم ، وانّه يتم من طريقها . ولكنّه غفلة عن حقيقة البيعة وموقفها ، فإنّ البيعة في حياة العرب وبعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، كانت تجسيداً لما تمّ أمره من قبل .
مثلًا : إنّ بيعة المسلمين للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، لم تعن الاعتراف بزعامة الرسول ورئاسته ، فضلًا عن نصبه وتعيينه ، بل إنّ المبايعين بعد أن آمنوا بنبوة النبي واعترفوا بقيادته وزعامته ، وأرادوا أن يصبّوا ما يلازم ذلك الإيمان ، من الالتزام النفسي بأوامر النبي ، بعد الإقرار بنبوته ، وزعامته . فكأنّ النبي الأكرم يقول : « فإن آمنتم بي فبايعوني على أن تطيعوني ، وتصلّوا وتزكّوا ، وأن تدفعوا عني العدو حتى الموت ، ولا تفروا من الحرب » . والهدف عندئذٍ من البيعة لم يكن هو الاعتراف بمنصب المبايع ، وانتخابه وتعيينه لمقام الحكومة والولاية ، بل كانت لأجل التأكيد العملي على الالتزام بلوازم الإيمان السابق عليه ، وهذا بارز في البيعة الثانية للأنصار