النَّصُّ :
بعدما يَسْتَقْصِى « 1 » الباحِثُ ما قِيلَ فِى العِبادَة على أَلْسِنَةِ وأَقلامِ الُمخْتَصِّينَ فِى هذا البَحْثِ يَصِلُ إلى انَّ العِبادَةَ لا تَتِمُّ الّا بِبُعْدَيْنِ :
أوَّلُهُما : التَّصَرَّفُ الدّالُّ على التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ عَمَلًا كانَ أوْ قَولًا أَوْ كِلَيْهِما معاً .
ثانيهِما : الاعْتِقادُ بِأنَّ التَّصَرُّفَ هذا مُوَجَّهٌ مِمَّن تَتَمَثَّلُ فِيهِ العُبُودِيَّةُ إلى مَنْ تَتَمَثَّلُ فِيه الأُلوهِيَّةُ « 2 » .
فالمُوَحِّدُ هُوَ ذلِكَ الذِى أخْلَصَ عِبادَتَهُ للَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ واعْتَقَدَ وَحْدانِيَّتَهُ ، وأمّا المُعْتَقِدُ بِهِ وَقدْ تَذَلَّلَ أوْ تَضَرَّعَ للأوثانِ أوِ الأبْقارِ ، أو لِلْكَواكِبِ أو النّارِ ، باعْتبارِها تَتَّصِفُ بِصفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلوهِيَّةِ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ هذا الذي يُعَدُّ شِرْكاً لا مَحالَةَ . قال تعالى :
« إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ »
« 3 » وذلكَ لِاعْتِقادِهم بِوُجُودِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ ، وقالَ عَزَّ مِنْ قائِلٍ :
« الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »
« 4 » .
اذاً فَخُضوعُ الانسانِ لِغَيْرِ اللَّهِ بالقَوْلِ أوِ الْعَمَلِ لا يُعَدُّ عِبادةً مادامَ هذا الخُضُوعُ غَيْرَ مَقْرُونٍ بالبُعْدِ الثّانِى ، فَخُضُوعُ العَوامِّ للعُلَماءِ ، والمَأمورِينَ للأُمَراءِ ، والعُمّالِ
هامش
( 1 ) اسْتَقْصى الأمرَ : بَلَغَ أقْصاهُ وغايَتَهُ في البَحْثِ عَنْهُ .
( 2 ) أىْ يَتَمَثَّلُ فيهِ ما يَخْتَصُّ بِهِ اللَّه عزَّ وَجَلَّ كالخَلْقِ والإحياءِ والإماتَةِ وتَدْبيرِ شُؤونِ الكَوْنِ .
( 3 ) الصّافات : 35 .
( 4 ) الحجر : 96 .