القُرآنِىِّ حَيْثُ يَتَنافى الاعجازُ مَعَ التَّحْرِيفِ ، كما تأباها طَبيعَة النَّصِّ القُرآنِىِّ المَضْمُونِ بَقاؤُهُ صَحيحاً سالِماً بِمُوجِبِ النَّصِّ الذّاكِرِ لِحِفْظِهِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ .
وَمِمّا يُؤسَفُ لَهُ ، انَّهُ بَيْنَ أوانٍ وآخَرَ يَنْدَفِعُ بَعْضُ مَنْ تُحَرِّكُهُ العَصَبِيَّةُ المَقيتَةُ ، أوْ بَعْضُ مَنْ تُغرِيهِ الدُّولاراتُ الأمْرِيكيَّةُ ، فَيَعْمَلُ على تَهدِيمِ صَرْحِ « 1 » الاسلامِ الشّامِخِ « 2 » فِى تَفْرِيقِ المُسْلِمينَ بِرَمْىِ هذا المذهب أو ذاكَ بِتُهَمٍ باطِلَةٍ بَعيدةٍ عن الحَقِّ والحَقِيقَةِ ، والذي يَحُزُّ « 3 » فِى القَلْبِ انّ هذِهِ النَّزَواتِ « 4 » قَدْ تَصْدُرُ مِمَّن يَدَّعِى الاسْلامَ وَيَتَزَيّا « 5 » بِزِىِّ عُلَمائِهِ .
وَمِنْ جُمْلَةِ هذِهِ المَعاوِلِ « 6 » الهَدَّامةِ ، رَمْىُ الشِّيعَةِ الامامِيَّةِ بِالقَوْلِ بِتَحْرِيفِ القُرآنِ الكَريمِ ، وَهِىَ مِنْهُ بَريْئَةٌ كَبَراءَةِ الذِّئْبِ مِنْ دَمِ ابْنِ يَعْقُوب عليه السلام .
وَلِلْعِلْمِ انَّ اوَّلَ مَنْ أَلْصَقَ « 7 » تُهْمَةَ القَوْلِ بِتَحْرِيفِ القُرآنِ الكَريمِ بِالشِّيعَةِ الامامِيَّةِ هُوَ ابْنُ حَزْمٍ الأَنْدُلسِىّ « 8 » . وَقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِم ظُلْماً وَزُوراً . والحَقُّ يُقالُ : انّهُ كانَ هُوَ اوْلى واحَقُّ بِهذا التَّشْنِيعِ حَيْث انَّهُ مِنَ القائِلِينَ بِهِ وذلِكَ لِما يَرى مِنْ انّ ( حَدَّ الرَّجْمِ ) مُسْتَنَدٌ إلى كِتابِ اللَّهِ لِما رَواهُ بأسنادِهِ عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ انَّ سُورَةَ الأحزابِ كانَتْ تُقارِنُ سُورَةَ البَقَرَةِ وَانَّ فِيها آيةَ الرَّجْمِ وَهِىَ : « إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم « 9 » » وقالَ ابنُ حَزْمٍ هذا اسنادٌ صَحيحٌ كالشَّمْسِ لا مَغْمَزَ « 10 » فيه . ثم قال : وَلكِنَّها مما نُسِخَ لَفْظُها وَبَقِىَ حُكْمُها « 11 » . وَهذا تَعليلٌ عَليلٌ سَقيمٌ حَيْث يَكُونُ النَّسْخُ عَمَلًا اعْتباطِيّاً « 12 » مادامَ الحُكْمُ باقياً ، تَعالى اللَّهُ
هامش
( 1 ) الصَّرْحُ : البِناءُ الضَّخْمُ المُحْكَمُ ، وفى التَّنْزِيلِ العَزيزِ ( يا هامانُ ابْنِ لِى صَرْحاً ) .
( 2 ) الشّامِخ : المرتفع .
( 3 ) يَحُزُّ : يَجْرَحُ ويَقْطع .
( 4 ) النَزوات : الانْبعاثات الشِّرّيرة .
( 5 ) تَزَيّا ، يَتَزَيّا : لَبِسَ .
( 6 ) المَعاوِل : جَمْعُ المِعْوَل وهو آلة حَديديَّةٌ للتَّهْديمِ كالفَأس .
( 7 ) الْصَقَ الشَّىْءَ بِالشَّىْءِ : الْزَقَهُ بِهِ وَجَعَلَهُ يَلْتَصِقُ .
( 8 ) ابنُ حَزْم : هو علىُّ بنُ احمدَ ، وُلِدَ في قُرْطُبة سنة 994 م . فَقيهٌ ومُتَكَلِّم وَمؤَرِّخٌ اسْتَوْزَرَ في خِلافةِ المُسْتَظْهَرِبِاللَّهِ سنة 1023 لهُ كتابُ ( طوقُ الحَماقة ) و ( الفصلُ فِى المِلَلِ والأهواءِ والنِّحل ) . تُوُفِّىَ سَنَة 1063 م .
( 9 ) راجِعْ صِيانَة القُرآنِ مِنَ التَّحْرِيفِ للشيخ مُحمّد هادي مَعْرِفَة عن كتاب ( الفصل في الملل . . . ، 4 : 182 ) .
( 10 ) مَغْمَز : عَيْبٌ ، طَعْنٌ والفِعْلُ غَمَزَ - غَمْزاً على فُلانٍ : طَعَنَ فِيهِ .
( 11 ) راجع صيانة القرآن مِن التَّحريف عن كتاب ( المُحَلّى ، 11 : 235 ) .
( 12 ) اعْتِباطاً : من دُونِ سَبَبٍ أوْ عِلَّةٍ أو حِكْمَةٍ .