الغنيّ المطلق . بعبارة أُخرى : إنّ الدعاء هو أحدُ السُبل ، بل هو أهمُّ السُبل لتحصيل الكمال ، والإنسان - كما هو ثابت في محلِّه - يتحرَّك تجاه تحصيل كمالاته فطرياً ، فهو طالب لها أبداً ، ولكنَّه عادةً ما يُخطئ الطريقَ ، أو لِنقُل بأنَّه يُخطئ في تحديد المصداق ، وهنا الدعاء الحقيقي - وفقاً لما تقدّم - يُساعده في تحديد المصداق الحقيقي الواجد لكلّ كمال وجمال وجلال ، وهو الله تعالى .
النكتةُ الثانية : إنَّ الدعاء - كما جاء في الراويات الصحيحة السند - يُمثّل مُخّ العبادة ، فقد ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : «
الدعاءُ مخُّ العبادة ، ولا يَهلكُ مع الدعاءِ أحد
» « 1 » .
وهذا يعني أنّ الدعاء يُشكّل حلقةً أو مدرسةً تعليميةً تُعرّفنا بحقيقة العبادة ، ولعلّ التعبير بالمخّ هو للكناية عن كون الدعاء يُشكّل حلقة السيطرة في السُلّم التكاملي ، فكما أنّ الإنسان بلا مُخٍّ يفقد كلَّ شيء ، فكذلك العبادة بلا دعاء لا تبقى لها قيمةٌ حقيقية ، وهنا ينبغي التنبيه إلى أنّ العبادات هي بنفسها دعاء ولكنّها دعاء عامّ ، وأَمَّا ما يُسمَّى بالقنوت فهو المقصود بالمقام أو الدعاء بمعناه الخاصّ ، فذلك الدعاء العامّ لا قيمة له بدون الأمر الخاصّ .
ولو لاحظنا ذيل كلمة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) حيث يقول : «
ولا يَهلكُ مع الدعاءِ أحد
» ، لتعلّمنا درساً آخر وهو كيفية تحصيل الوقاية من الهلاك الذي يُراد به في المقام الانحراف أو البعد عن الله تعالى أو الوقوع في الفتنة ،
هامش
( 1 ) الدعوات ، لقطب الدين الراوندي ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي ، ط 1 ، 1407 ه - ، قم المقدّسة : ص 18 ، الحديث : 8 .