والظاهر من جميع ما تقدَّم هو أنَّها ألصق بالاعتراف بالذنوب ، لاسيَّما وأنَّ يوم عرفة هو يوم الدعاء ، ومحلُّ التوبة والاعتراف بالذنب ، وأما لقاء آدم وحوَّاء فهو لقاء الاعتراف بالذنب ، وأما المعرفة فذلك بعد اعتراف العبد بذنبه وتقصيره عن الوصول إلى معرفته ، وأما التعارف فالأولى هو التعارف بين العبد وربِّه ، وهذا لا يكون بدون الإقرار بالتقصير والذنب .
وعلى أيّ حالٍ ، فعرفة كمكان قد اقترنت بعالم الدعاء ، وهذا الاقتران أُسِّس له قرآنياً ، وهو قوله تعالى :
. . . فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ
( البقرة : 198 ) ، فعرفة انطلاقة الدُعاء والذكر ، لتكتمل حلقات الدعاء والذكر في مُزدلفة المسمّاة بالمشعر الحرام .
وينبغي أن يُعلم بأنَّ أعمال عرفة إنَّما أُريد بها مَنْ حضر عرفة نفسها ، أيّ كان حاجّاً ، حيث يُستحبّ له عدَّة أُمور غير الأُمور الواجبة ، وهذا لا يعني عدم استحباب الدعاء في يوم عرفة لمن لم يحضر عرفة ، فعن أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) أنّه قال : «
لا عرفة إلا بمكّة ، ولا بأس أن يجتمعوا في الأمصار يوم عرفة يدعون الله » « 1 » ،
فقوله ( عليه السلام ) : «
لا عرفة إلا بمكّة » ،
إشارة منه إلى المكان المأخوذ قيداً في الأعمال ، ولذلك عبَّر عن الدعاء في الأمصار في يوم عرفة بقوله : ( لا بأس ) ، أيّ أنَّهم لهم الدعاء ، ولكنَّهم ليسوا ممَّن يُعرِّفون ، لأنَّه لا عرفة إلا بمكّة .
بل ورد هناك نوع من التعويض لمن لم يشهد عرفة ، ومع ذلك يُكتب له أجر الوقوف بعرفة ، وذلك لمن عرَّف بكربلاء عند قبر الإمام الحسين
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة ، مصدر سابق : ج 10 ، ص 32 ، الحديث : 2 .