المحاججة متسائلًا :
. . يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا * يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا * يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
« 1 » .
فلم يستجب الأب لهذا الخطاب المهذّب وأصرّ على عناده ، فأعلن إبراهيم عليه السلام حربه بتحطيم الأصنام بكلّ شجاعة وبسالة لا خائفاً ولا وجلًا ، تحفّه رعاية اللَّه تعالى وعونه فقال :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
« 2 » .
وإنها لجرأة وشجاعة حقاً أن يتحدى شخص واحد قوماً طغاة عصاة ، لا يكون كذلك إلّا من ذاب في مبدأ وعقيدة قوية مؤيدة من السماء . جاء القوم ولمّا نظروا آلهتهم العزيزة المحطّمة :
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ * قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ
« 3 » . فتحداهم مرةً أخرى و
قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
« 4 » .
وهنا يبرز ذكاء إبراهيم ، أن يجعلهم في موضع الاعتراف الذاتي ، إنه الحقّ وهم الباطل ، ونكسوا رؤوسهم ، وأصدر نمرود حكم الإعدام بحرقه في النار ؛ لأنه احسَّ بضعف حيلته أمام قوة الحق ، ولا سبيل للطغاة في تاريخ البشرية سوى التخلص من أصحاب الحق بقوة النفوذ السلطاني الحاكم ! وجعل اللَّه تعالى النار
هامش
( 1 ) مريم : 42 - 45 .
( 2 ) الأنبياء : 58 .
( 3 ) الأنبياء : 60 - 62 .
( 4 ) الأنبياء : 63 .