تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحج عبر الحضارات والأمم — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
فقد شَوَّه أو حَرَفَ هذا الخط الإلهي ( الحج ) كثيرٌ من ولاة الكعبة الشريفة وغيرهم ممن جاؤوا « 1 » بعد النبي إبراهيم عليه السلام فجعلوه مجرد طقوس خاوية وأفعال مادية جسدية محدّدة ، وأخرجوه من معناه الروحي والقدسي الذي أراده اللَّه تعالى . . . فلم تعد الكعبة ذلك الصرح الإلهي العظيم الذي أقامه النبي إبراهيم الخليل عليه السلام ووضع قواعده ، والهدف الإلهي الذي استهدفه من تأسيسها . . . وإنما أصبحت مركزاً ومقراً للأفكار والأوضاع التي حملها العرب في العصر الجاهلي بما يحملون من روح وثنية من خلال إدخالهم الأصنام فيها وعبادتهم لها ، والتقرب من خلالها إلى اللَّه زلفاً ، أو مركزاً للأعاجم من فرس وغيرهم ممن لم يؤمنوا إيماناً صحيحاً ، وإنما جاؤوا لإحياء ذكريات أو لأغراض أخرى غير دينية ولا إلهية من قبيل التجارة أو الترويح عن النفس ، أو لقضاء الحاجة من خلال تقديم النذور والقرابين مما ورثوه من عادات وعقائد . . . وهكذا ابتعد الحج عن أهدافه السامية الأولى الروحية والمعنوية ، وصار مجرّد شكل ومظهر مادي لا مضمون فيه ولا روح . . . وبُعث النور الأعظم ، النبي محمد صلى الله عليه وآله وغيّر الدنيا ، وغيّر المجتمع ، وإذا بالكعبة والحج الأصيل نفسه يعيد مجده السالف التليد الذي أرساه النبي إبراهيم الخليل عليه السلام وأبناؤه وأحفاده المخلصون . . . جاء محمد بن عبداللَّه صلى الله عليه وآله ليضع الحج في موقعه المناسب ، الحج الأبدي ، ما دام الإنسان حيّاً يجري على سطح الأرض . . .
هامش
( 1 ) نقصد بالذين جاؤوا بعد النبي إبراهيم عليه السلام في منطقة الجزيرة من السدنة والولاة والحكام ، وليس‌الأنبياء بين إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله ؛ لأنهم حجوا إليها كما حج إبراهيم عليه السلام وهو ما مرّ علينا سابقاً .