وهكذا يعترف المنصفون من علماء إخواننا السنّة بأنّ ما في صحاحهم من أحاديث الرؤية والتشبيه والتجسيم ترجع كلّها أو جلّها إلى حمّاد بن سلمة ونعيم بن حمّاد ومقاتل بن سليمان ووهب بن منبه ، وأُستاذهم جميعاً كعب الأحبار !
ومن المفارقات العجيبة انتشار مذهب التجسيم على يد بعض الفئات الحاكمة والسلطات التي كان لها طابع مذهبي وسياسي معروف بتأييده للخطّ والمنهج الأموي والمعادي لأهل البيت ( ع ) ، حيث سعَت إلى دعمه وتقويته .
فقد قوي مذهب التجسيم في عصر السلاجقة على يد أبي المعالي الجويني النيشابوري المعروف بإمام الحرمين ( ت 478 ه - ) الذي طرده أهل نيشابور منها ، ثمّ تبنّاه السلاجقة وعيّنوه شيخاً في المدرسة النظاميّة ببغداد ، فتبنّى في آخر عمره هذا المذهب بعد أن كان متأوّلًا .
ثمّ جاء الغزالي بعده فخالفه وأحدث موجة لمصلحة المتأوّلين ، وإن كان الملاحظ أنّ الغزالي حاول إرضاء المجسّمة في عدد من تفسيراته .
وعلى كلّ حال ، فقد تحوّل التجسيم إلى مذهب في الأمّة الإسلاميّة ، وأصبح له دُعاة ومروّجون بل وقادة وعلماء يدافعون عنه .
وقد أشار الشهرستاني في الملل والنحل إلى كيفيّة تحوّل هذا المعتقد الفاسد إلى مذهب ، والأسباب الكامنة وراء ذلك ، فقال : ( اعلم أنّ جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزليّة ؛ من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزّة والعظمة ، ولا يفرّقون بين صفات الذات وصفات الفعل ، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً ، وكذلك يثبتون صفات خبريّة مثل اليدين والوجه ولا يؤوّلون ذلك ، إلّا أنّهم يقولون هذه الصفات قد وردت في
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه — صفحة 209
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٠٩