وإذا كان كلّ إنسان مولوداً على الفطرة - كما عن رسول الله ( ص ) :
« كلّ مولود يولد على الفطرة ،
يعني : المعرفة بأنّ الله عزّ وجلّ خالقه » « 1 » - إذن فكلّ إنسان مولود على التوحيد ؛ لأنّ الفطرة هي التوحيد ومعرفة الله سبحانه .
وهكذا صار الأصل الأوّل من أصول الدين توحيد وجود الله تعالى لا إثبات وجوده .
الكمال والمعرفة التوحيدية
هناك صلة بين الكمال والمعرفة التوحيديّة . فالإنسان مشدود في حركته الحياتيّة إلى كماله ، وثَمَّ نقطة يلتقي عندها الكمال بالتوحيد ينبغي معرفتها .
لقد أشار القرآن الكريم في آيات عديدة إلى أنّ كلّ شيءٍ مسخّرٌ لأجل الإنسان ؛ قال تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
( الجاثية : 13 ) ، وحتى الملائكة مسخّرة لتدبير أمور الإنسان
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
( النازعات : 5 ) ، فيما تقوم به وفاقاً لدورها في إنزال الوحي والرزق وغير ذلك . ما تهدف إليه حركة التسخير هذه هو أن يتحرّك الإنسان صوب كماله النهائي .
وعندما نأتي إلى القرآن لنستنطقه عن هدف الخلق ، يواجهنا قول الله سبحانه :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( الذاريات : 56 ) . وهذه العبارة لا تمثّل الهدف النهائي لوجود الخلق وإنّما هي وسيلة فقط لبلوغ الكمال النهائي المتمثّل في اليقين بالله
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
( الحجر : 99 ) .
والذروة في هذا اليقين هو ما بلغه أنبياء الله العظام على هذا الخطّ ، حيث يصف القرآن الكريم مقام خليل الرحمن بقوله :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
( الأنعام : 75 ) .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 13 ، باب فطرة الخلق على التوحيد ، ح 4 .