وإذا ما أشرفنا على المسألة من جهتها الأخرى حيث يقابِل الشركُ التوحيدَ ، ستبرز تجلّيات وآثار أخرى للتوحيد في الحياة العمليّة .
يحسب الإنسان نفسه موحِّداً ، بيد أنّه في الواقع مشرك ، يتحرّك تحرّكاً شركياً ، وكلّ ما هناك هو الاختلاف في مصداق الشرك ، فبعض مصاديقه واضح وبعضها خفيّ ، وبعضها ملتبس ، وقد تظافرت الأحاديث في أنّ الشرك ينقسم إلى جليّ وخفيّ ، وأنّه أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ! لذلك لا ينبغي أن ينحصر تصوّر الشرك في أذهاننا على مصداقه الواضح الذي ينصرف إلى عبادة الأصنام ، وإلا فهل الذي يتّجه إلى الصنم ويتوسّل إليه هو وحده المشرك ، أمّا الذي يتّجه إلى عبادة المال أو إلى عبادة هواه وإطاعته فهو موّحد ؟ !
لابدَّ من العودة إلى كتاب الله لننظر الحدود التي يرسمها بين التوحيد والشرك ؛ يقول تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
( الجاثية : 23 ) ،
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
( القصص : 50 ) .
ثمَّ يأتي النهي عن اتّباع الهوى :
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى
( النساء : 35 ) ،
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ
( الكهف : 28 ) .
قد يتساءل بعض الناس عن فائدة هذا البعد ، وهل هناك مشكلة تعود على الإنسان إذا ما جهل مراتب الشرك ؟ نقول : أجل ، هناك مشكلة تنبع من قوله سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
( النساء : 48 ) .
فطرة التوحيد
المنهج القرآني في التوحيد يتجنّب البحث - كما أسلفنا - في إثبات وجود الله ، ويتناول موضوعه في زاوية توحيد وجوده وألوهيّته وربوبيّته وغيرها من مراتب التوحيد ؛ ومغزى ذلك أنّ القرآن يتعامل مع وجود الله كأمرٍ ثابتٍ