الأقوال في مسألة الحدّ
القول الأوّل : أنّ الله سبحانه وتعالى محدود بحَدّ ، وأنّه لو لم يُحَدّ لما كان موجوداً .
وفي الاصطلاح الفلسفي : جعل أصحاب هذا القول مساوقة في ذلك لا ملازمةً فقط ؛ والمساوقة أعمق فلسفيّاً من الملازمة ، لأنّه في الملازمة أحدهما غير الآخر ، وفي المساوقة أحدهما عين الآخرمصداقاً ؛ فقالوا إنّ الموجوديّة تساوق المحدوديّة له تعالى ، لأنّهم لم يتعقّلوا وجوداً ليس له حَدّ ، فالموجود يعني المحدود ، سواء كان هذا الموجود هو الله تعالى القديم الواجب ، أو كان وجود الممكنات الحادثة ، وفي اعتقادهم يستحيل أن يكون الله موجوداً وليس له حَدّ ومنتهى وغاية ينتهي عندها .
وهذا ما ذكره الإمام الدارمي أحد أقطاب هذا الاتّجاه في كتابه ( ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد . . . ) فقال في باب الحَدّ والعرش :
( قال أبو سعيد : وادّعى المعارض أيضاً - أي الذي ينفي أنّ الله له حَدّ - أنّه ليس لله حَدّ ولا غاية ولا نهاية ، وهذا الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته ، واشتقّ منه أغلوطاته ، وهي كلمة لم يبلغنا أنّه سبق جهماً إليها أحد من العالمين .
فقال له قائل ممّن جاوره : قد علمت مرادك أيّها الأعجميّ ، وتعني أنّ الله لا شيء ؛ لأنّ الخلق كلّهم علموا أنّه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلّا وله حَدّ وغاية وصفة . وأن لا شيء ليس له حدّ ولا غاية ولا صفة ، فالشيء أبداً موصوف لا محالة ، ولا شيء يوصف بلا حَدّ ولا غاية ، وقولك « لا حَدّ له » يعني أنّه لا شيء ) « 1 » .
هامش
( 1 ) ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي : ص 23 .