أنّ الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة . « 1 »
قلت : سواء أكان السائل هو بلال بن الحارث أم غيره ، فإنّ دعاء النبي من قبل الرجل لم يكن أمرا سريّا ، بل كان بمرأى ومسمع من مالك الداري .
ونصّ ابن حجر أنّ لمالك إدراكا - لعصر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم - فهو صحابي صغير روى عنه أربعة من الثقات . ولو كان نداء النبي شركا موجبا للخروج عن الدين لما خفي على خازن الخليفة ، كونه شركا ولنهاه عنه .
إنّ من هوان الدنيا على اللّه أن تكون العقيدة الشخصية مقياسا لصحّة الرواية وبطلانها ، فهذا هو عبد العزيز بن باز - عفا اللّه عنا وعنه - لمّا رأى أنّ الرواية تخالف ما ورثه من ابن تيمية وابن عبد الوهاب - ومن أتى بعدهما - حول التوسّل بالنبي ودعائه ، أخذ يناقش في صحّة الرواية فقال في تعليقته على فتح الباري : هذا الأثر على فرض صحّته - كما قال الشارح ( يريد ابن حجر ) - ليس بحجّة على جواز الاستسقاء بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد وفاته لما ذا ؟ :
1 . لأنّ السائل مجهول .
2 . ولأنّ عمل الصحابة رضي اللّه عنهم على خلافه ، وهم أعلم الناس بالشرع .
3 . ولم يأت أحد منهم إلى قبره يسأله السقيا ولا غيرها ، بل عدل عمر عنه لمّا وقع الجدب إلى الاستسقاء بالعباس ، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة ، فعلم أنّ ذلك هو الحقّ وأنّ ما فعل هذا الرجل منكر ووسيلة للشرك . « 2 »
ولعمر الحق أنّ الرجل لو لم يكن متمسّكا بالعقيدة الموروثة ، لما ردّ الرواية بما ذكر من الأمور الثلاثة الواهية .
هامش
( 1 ) . فتح الباري : 2 / 412 .
( 2 ) . فتح الباري : 2 / 495 قسم التعليقة .