أمّا الأوّل : من أنّ الرجل مجهول ، فهذا لا يضرّ ، لأنّ أساس الاستدلال هو دعاء النبي بمرأى ومسمع من مالك الداري الصحابي الذي كان خازن عمر .
وأمّا الثاني : من أنّ عمل الصحابة كان على خلافه ، وأنّه لم يأت إلى قبره أحد يسأل السقيا ، فموهون جدا ، لأنّ من قال بمرجعية الصحابة ، فإنّما قال بحجّية أقوالهم وأفعالهم على الجواز والإباحة ، لا بحجّية تروكهم على الحرمة والشرك ، فعدم قيام الصحابة بهذا الفعل لا يعدّ دليلا على التحريم ولا على كونه شركا وخروجا عن الدين .
وأمّا الثالث : من أنّ عمر توسّل بالعباس عم النبي ، لا به صلى اللّه عليه وآله وسلم فموهون أيضا ، لأنّ التوسّل بعم الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لا يكون دليلا على بطلان التوسّل بالرسول .
على أنّ العارف إذا أمعن النظر في قول عمر : « إنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا » ، يقف على أنّ التوسل كان في الحقيقة بالرسول ، وأنّ التوسّل في الظاهر بالعباس كان لأجل صلته بالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم .
تلك - واللّه شقشقة هدرت ثمّ قرّت - فإذا كان هذا هو الفقه والفتوى ، وهؤلاء هم الفقهاء المعنيون بحفظ الدين وصيانة أعراض المسلمين ، فعلى الإسلام السلام وعلى الدنيا العفا .
وكأنّي بشاعر المعرّة شهد ما يشابه هذه الظروف القاسية فجادت قريحته بالأبيات التالية :
إذا وصف الطائيّ بالبخل مادر * وعيّر قسّا بالفهاهة بأقل
وقال السّهى للشمس أنت خفية * وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء ترفّعا * وفاخرت الشهب ، الحصى والجنادل
فياموت زر انّ الحياة ذميمة * ويا نفس جدّي إن دهرك هازل