فابن تيمية يحمل اليدين على المعنى الإفرادي ، جمودا على الظهور البدائي دون أن يتدبّر في القرائن الحافّة بالآية ، التي تعطي للآية مفادا آخر ، وهو نتيجة الظهور التصديقي .
وممّا تقدّم من أنّ الميزان هو الظهور المستقرّ لا المتزلزل ، يجب الإمعان في موقف الآية وهدفها ، وليس لنا صرف الآية عن ظهورها بتوهّم أنّه يخالف حكم العقل كما مرّ عليك ، ولو كان هناك تعارض فهو بدائي مرتفع بأحد الأمرين : إمّا لأجل تطرق الخطأ إلى فهم المفسّر في تبيين مفاد الآية ، أو طروء القصور والتقصير على العقل في مبادئ البرهان .
وعلى ضوء ذلك لا محيص من القول بأنّ اليدين في الآية بمعنى الجارحة ، لكن اللفظ كناية عن لازمه وهو الاهتمام بخلقة آدم ، حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم فقوله سبحانه :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
كناية عن اهتمامه سبحانه بهذا المخلوق ، وانّه لم يكن مخلوقا لغيري حتّى يصحّ لك يا شيطان تجنّب السجود له ، بحجّة أنّه لا صلة له بي ، مع أنّه موجود خلقته بنفسي ، ونفخت فيه من روحي ، فهو مصنوعي ومخلوقي الّذي قمت بخلقه ، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له .
فأطلقت الخلقة باليد وكنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه ، وعنايته بإيجاده ، وتعليمه إيّاه أسماءه ، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد ، يقول : هذا ما بنيته بيدي ، أو ما صنعته بيدي ، أو ربّيته بيدي ، ويراد من الكلّ هو القيام المباشري بالعمل ، وربّما استعان فيه بعينه وسمعه وغيرهما من الأعضاء ، لكنّه لا يذكرها ويكتفي باليد ، وكأنّه سبحانه يندّد بالشيطان بأنّك تركت السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه .