ولسمو مكانة الطوسي العلمية والفكرية ، احتفظ به ( مع اثنين آخرين من العلماء ) هولاكو ، وأمره بملازمته ، ثمّ علت منزلته عنده فاغتنم الطوسي هذه الفرصة ، فكرّس الجانب الأكبر من وقته للأعمال العلمية ولحفظ ما تبقّى من التراث الإسلامي ورجال الفكر من خطر المغول ، فأقام المدارس والمعاهد العلمية ، وجمع العلماء والحكماء واعتنى بهم ، وتعاون معهم في إنشاء مرصد كبير في مراغة ( بأذربيجان ) ، وتأسيس مكتبة ضخمة بجانبه ضمّت أربعمائة ألف مجلد ، ولم يمت - كما يقول الأستاذ عبد المتعال الصعيدي - إلّا بعد أن جدّد ما بلي في دولة التتر من العلوم الإسلامية ، وأحيا ما مات من آمال المسلمين .
وكان قد ورد بغداد بصحبة هولاكو « 1 » ، وزار مدينة الحلة ، وحضر درس المحقّق جعفر بن الحسن الحلي ( المتوفّى 676 ه ) وأورد عليه إشكالا في إحدى مسائل القبلة .
وسطع نجم المترجم له أكثر ، ورنّ صيته في الآفاق ، وحظي بتقدير العلماء ( في عصره وما بعده ) وكبار المستشرقين وخاصة : هورتن ، وبروكلمان ، وسارتون ، وايفانوف ، وبراون ، وغيرهم ، وأطلقت عليه ألقاب كثيرة مثل : سلطان المحقّقين ، وأستاذ الحكماء والمتكلّمين ، وأستاذ البشر ، والعقل الحادي عشر .
قال عنه أستاذه معين الدين سالم بن بدران المصري في إجازته له : الإمام
هامش
( 1 ) . ثمة أسباب حدت بنصير الدين وغيره إلى اصطناع أسلوب المداراة مع هولاكو ، ولم تكن الدولة العباسية لتنجو من السقوط بأيدي المغول بابتعاد نصير الدين وغيره عن هولاكو ، فإنّ الخلفاء قد بلغوا من الفساد والانحلال إلى حد غاب عنهم معه ما كان يجري خارج قصورهم ، فقد كانت القوى الكافرة محيطة بدار الخلافة ، والخليفة كان غافلا عمّا يجري خارج القصر ، وكانت تلعب بين يديه جاريته فلم يوقظه من الغفلة أو السكرة إلّا إصابة نبل الخصم لجاريته ! ! ! بحوث في الملل والنحل للسبحاني 4 / 22 - 23 .