البشر واستغنائهم في أفعالهم عن اللّه سبحانه ، ويظهر من بعض الروايات أنّ فكرة التفويض استولت على بعض المفكّرين في عصر عبد الملك بن مروان على نحو أعجز العلماء في الشام ، فكتب عبد الملك رسالة إلى الإمام الباقر عليه السّلام يدعوه لنزول أرض الشام ، ومناظرة ذلك الرجل القدري ( التفويضي ) ، فلمّا جاءت الرسالة كتب إليه الإمام بقوله : إنيّ شيخ كبير لا أقوى على الخروج ، وهذا جعفر ابني يقوم مقامي فوجّهه إليه ، فلمّا قدم على الأمويّ أزراه لصغره ، وكره أن يجمع بينه وبين القدريّ مخافة أن يغلبه ، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدريّة ، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس بخصومتهما ، فقال الأمويّ لأبي عبد اللّه عليه السّلام إنّه قد أعيانا أمر هذا القدريّ ، وإنّما كتبت إليه « 1 » لأجمع بينه وبينه ، فإنّه لم يدع عندنا أحدا إلّا خصمه ، فقال : إنّ اللّه يكفيناه .
قال : فلمّا اجتمعوا قال القدريّ لأبي عبد اللّه عليه السّلام : سل عمّا شئت ! فقال له :
« اقرأ سورة الحمد » ، قال : فقرأها ، وقال الأمويّ وإنّا معه : ما في سورة الحمد ؟ ! ، غلبنا ، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ! ! قال : فجعل القدريّ يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك وتعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
فقال له جعفر : « قف ؛ من تستعين ؟ وما حاجتك إلى المؤونة إن الأمر إليك ؟ » فبهت الّذي كفر ، واللّه لا يهدي القوم الظالمين . « 2 »
كان الطابع العام على السلفية وأهل الحديث ، هو الجبر ونفي القدر بمعنى الاختيار إلى أن جاء الإمام الأشعري فأحسّ بخطورة الموقف وأنّ القول بالجبر يساوي بطلان التكليف ولغوية بعثة الأنبياء ، فحاول أن يصحّح عقيدة أهل
هامش
( 1 ) . الضمير يعود إلى أبي جعفر الباقر عليه السّلام .
( 2 ) . بحار الأنوار : 5 / 55 ، رقم الحديث 98 نقلا عن تفسير العياشي .