على العقول ، أثّرت على تفكيره فعاد يفكر كأنّه أشعري مطلق ، بل حنبلي محض .
يقول : تأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها فإنّه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقته - إلى أن قال : - فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبّباتها مجهول ، لأنّها إنّما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة ، فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجّه إلى مسبّب الأسباب كلّها وفاعلها وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس .
فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقّت عليه كلمة الكفر ، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلّا بالخيبة ، فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق . « 1 »
يلاحظ عليه أوّلا : ما هو الدليل أنّ الشارع نهانا عن النظر في الأسباب ، فإن أراد النظر فيها بمعنى التوقّف عند تلك الأسباب ، وإضفاء الأصالة عليها وانقطاعها عن مسبّب الأسباب ، فذلك كما ذكره كفر محض ، ولكن المؤمن الموحّد لا ينظر إلى الأسباب بذلك المنظار .
وإن أراد النظر فيها بما فيها من نظام بديع حاك عن كونه مخلوقا لموجود عالم قادر حكيم فالنظر فيها بهذا المنظار هو نفس التوحيد ، فكيف نهانا الشارع عن النظر في الأسباب ؟ هذا هو القرآن الكريم يشرح لنا نظام الكون بأدق الوجوه ويجعلها آية لتوحيد خالق العالم ومدبّره .
هامش
( 1 ) . مقدّمة ابن خلدون ، الفصل العاشر في علم الكلام : 424 .