الظلّي عن غيره سبحانه ، وأنّه ليس في صحيفة الكون إلّا علّة واحدة وسبب فارد ، هو المؤثر في الكون وبذلك شطبوا على تأثير العلل الطبيعية بعضها في بعض ، ونفوا السببية في الكونيات وزعموا أنّ القول بذلك ينافي التوحيد في الخالقية والربوبية وبذلك نازعوا وجدانهم كما نازعوا الوحي المبين حيث إنّه يثبت الأثر الطبيعي لكلّ سبب ، وفي الوقت نفسه يربطهما باللّه سبحانه ، قال :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
. « 1 »
تجد أنّ الوحي اعترف بسببية الماء الخروج الثمرات الطيّبة وليست هذه الآية وحيدة في هذا الباب ، بل في القرآن الكريم نماذج من هذا النوع ، قال سبحانه :
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
. « 2 »
فتستدلّ الآية على أنّ تدبيره سبحانه فوق تدبير الفواعل الطبيعية ، وذلك بشهادة أنّ الجنّات تثمر أثمارا مختلفة مع وحدة الشرائط والظروف المحيطة بها من وحدة الماء والأرض ، وهذا يدلّ على أنّ وراء الأمور الطبيعية والأسباب الماديّة مدبّرا فوقها ، وعلى الرغم من هذا الاعتراف إلّا أنّه لا ينفي تأثير العوامل الطبيعية ولكن يراها غير كافية في خلق هذا التنوّع .
وبذلك يظهر أنّ ما ذكره ابن خلدون حول تأثير الأسباب ولزوم الغضّ عنها دون شأنه جدّا وكان المترقب منه غير ذلك ، لكن سيطرة مذهب الأشعري
هامش
( 1 ) . البقرة : 22 .
( 2 ) . الرعد : 4 .