يصلهما ، فقد كان كثيرا ما يعتكف في حصوة باب العمرة ، وله خلوة في باب العمرة ، واشتهر بالتدريس في الشتاء بمكة المكرمة ، وفي الصيف بالمدينة المنورة .
ولقّب بمحدث الحرمين الشريفين لعنايته بتدريس الحديث ، وختم الكتب الستة مرات ، وكذا « مستدرك الحاكم » و « مجمع الزوائد » و « الشمائل » للترمذي و « الشفا » لعياض وهذا نادر في وقته ، وذلك مع حافظته القوية .
ولما قامت الحرب العظمى الأولى ، وأخرجت الدولة العلية سكان المدينة المنورة خوفا عليهم من المجاعة ، كان هو ممن صبر على لأوائها وشدتها أيام الحرب ، فتعب جدّا حتّى هزل بدنه ونحف جسمه بحيث دبّ فيه الهرم من صغره ، وكان هو أيضا يتعب نفسه ولا يعطيها حقها من الراحة .
رحل إلى بلاد شتى لأسباب علمية فدخل الشام ومصر والمغرب . الأدنى : كبني غازي ، والجغبوب ، وطرابلس ، والأوسط : كتونس والجزائر ووهران وتلمسان ، والأقصى : كفاس ومراكش وزرهون وشنقيط ، ودخل اليمن وبلاد الحضارم .
وحصّل فوائد عديدة ، ونال مزايا فريدة ، وقابل أئمة أعلاما يشد إليهم الرحال في هذه الأمصار ، وكان مفيدا مستفيدا لا يتعب من الاطلاع والأخذ عن المشايخ والتدريس ، وبارك اللّه له في وقته في هذه الأسفار . قال السيد أحمد بن الصديق الغماري : ولما كنت بالقاهرة سنة ثلاث وأربعين قدمها - أي الشيخ عمر حمدان - فأقام بها ثلاثة أشهر لازمته فيها وما كنا نفترق غالب الأوقات ، وسمعت منه « صحيح البخاري » والأول من « المستدرك » و « الأذكار » للنووي ، و « الأربعين العجلونية » و « مسلسلات شيخه » فالح الظاهري ، فانظر إلى ذلك مع مقابلته لأكابر علماء الأزهر ، والاستفادة منهم ، وأخذ عنهم ممن قابلهم بمصر شيخ علمائها العلامة محمد بخيت المطيعي ، والشيخ محمود خطاب السبكي ، والشيخ محمد إمام السقا ، والشيخ محمد السمالوطي ، والشيخ محمد زاهد الكوثري ، والسيد الخضر حسين ، والسيد أحمد رافع الطهطاوي وغيرهم .
وهذا يدلك على مبلغ عنايته واستفادته بوقته في رحلاته المتعددة . أما عن تفصيل شيوخه الذين أخذ عنهم في هذه الرحلات ، وكذا شيوخه في الحرمين الشريفين والواردين إليهما ، فتجده في المصنف الفذ المفيد « مطمع الوجدان من أسانيد عمر حمدان » في ثلاثة مجلدات ضخام ، صنفه تلميذه شيخنا الفاداني حفظه اللّه تعالى ، وهو غاية في البسط والتحقيق ، ومشحون بالإفادات ، وعلق عليه حواشي تأتي في مجلد ، فلله دره فلا يأتي بمثاله إلا العصبة من الرجال .
ثم اختصره وطبع الجزء الأول من المختصر وسماه « إتحاف الخلان باختصار مطمع الوجدان » .
ولنذكر على سبيل الإفادة والتمثيل بعض مشايخه في هذه الأقطار :
فمن الحرمين الشريفين غير ما ذكرت جماعة منهم :
السيد حسين الحبشي ، والشيخ عابد المالكي ، والشهاب أحمد أبي الخير بن عبد اللّه ميرداد ، والشيخ محمود الدسوقي وغيرهم .
ومن الشام : محمد أبي النصر بن عبد القادر الخطيب ، وبدر الدين البيباني ، ويوسف النبهاني وغيرهم .
ومن المغرب : الطيب النيفر ، والطاهر ابن عاشور ، وأحمد بن الخياط الزكاري ، وماء العينين الشنقيطي ، ومحمد يحيى الولاتي ، ومحمد النجار التونسي ، والسيد المكي بن عزوز .
ومن حضرموت واليمن : السيد محمد بن سالم السري ، والقاضي حسين العمري ، والسيدة خديجة بنت السيد أحمد بن محمد المحضار .
وهذا قطر من بحر ، ومن أراد المزيد فليرجع إلى « مطمع الوجدان » .
أما عن أخلاقه وأحواله المرضية ، فهذا مما لا تحيط به إلا المصنفات الكبار ، ولكنني أذكر هنا ما يعد على سبيل الإجمال .
لما قدم المدينة المنورة سيدي المحدث البركة محمد بن جعفر الكتاني لازمه صاحب الترجمة ملازمة أكيدة ، وتأدّب بآدابه ، وتهذّب بأخلاقه ، ونفعه اللّه تعالى بصحبته ، وملأ حقيبته بما يغنيه على يقين ، بأن هذا أعظم شرف يقتنيه . فودّع التكلّف جانبا ، ولزم طريق السادة الأخيار .
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 932
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص٩٣٢