والنسج ، وغير ذلك ، فهو وإن كان حقا في الجملة ، إلّا أن التأمل في صفاتهم الروحية يعطي أنّ هذه الأعمال في الدرجة الثانية من الأهمية عندهم ، وما ذكرناه هو الذي يتعلّق به قصد الإنسان البدوي أولا وبالذات ، كما أنّ شيوع الادّعاء والتبنّي أيضا بينهم سابقا كان من فروع هذا الغرض .
على أنّه كان في هذه الأمم عامل أساسي آخر لتداول تعدد الزوجات بينهم ، وهو زيادة عدّة النساء على الرجال بما لا يتسامح فيه ، فإنّ هذه الأمم السائرة بسيرة القبائل كانت تدوم فيهم الحروب والغزوات وقتل الفتك والغيلة ، فكان القتل يفني الرجال ، ويزيد عدد النساء على الرجال زيادة لا ترتفع حاجة الطبيعة معها إلّا بتعدد الزوجات .
والإسلام شرّع الازدواج بواحدة ، وأنفذ التكثير إلى أربع بشرط التمكن من القسط بينهن ، مع إصلاح جميع المحاذير المتوجّهة إلى التعدد على ما سنشير إليها ، قال تعالى :
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
« 1 » .
وقد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات :
أولا : أنّه يضع آثار سيئة في المجتمع ، فإنه يقرع قلوب النساء في عواطفهن ويخيّب آمالهن ، ويسكن فورة الحب في قلوبهن ، فينعكس حسّ الحبّ على حسّ الانتقام ، فيهملن أمر البيت ويتثاقلن في تربية الأولاد ، ويقابلن الرجال بمثل ما أساءوا إليهن ، فيشيع الزنا والسفاح والخيانة في المال والعرض فلا يلبث المجتمع دون أن ينحط في أقرب وقت .
وثانيا : أنّ التعدد في الزوجات يخالف ما هو المشهود والمتراءى من عمل الطبيعة ، فإنّ الإحصاء في الأمم والأجيال يفيد أنّ قبيلي الذكورة والإناث متساويان عددا تقريبا ، فالذي هيئته الطبيعة هو واحدة لواحد ، وخلاف ذلك خلاف غرض الطبيعة .
وثالثا : أنّ في تشريع تعدد الزوجات ترغيبا للرجال إلى الشره والشهوة ، وتقوية لهذه القوة في المجتمع .
هامش
( 1 ) - البقرة : 228 .