تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام النساء المؤمنات — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
النواقص الطارئة بالفكر والرؤية مع ما فيه من لذائذ الحياة والتنعم ، فإنّ ذلك من أعظم الخبط ، فإن هذه البنيات الطبيعية التي منها البنية الإنسانية مركّبات مؤلفة من أجزاء كثيرة ، تستوجب بوقوع كلّ في موقعه الخاص على شرائطه المخصوصة به وضعا هو الملائم لغرض الطبيعة والخلقة ، وهو المناسب لكمال النوع ، كالمعاجين والمركّبات من الأدوية التي تحتاج إلى أجزاء بأوصاف ومقادير وأوزان وشرائط خاصة ، لو خرج واحد منها عن هيئته الخاصة أدنى خروج وانحراف سقط الأثر . فالإنسان مثلا موجود طبيعي تكويني ذو أجزاء مركّبة تركيبا خاصا ، يستتبع أوصافا داخلية وخواص روحية تستعقب أفعالا وأعمالا ، فإذا حوّل بعض أفعاله وأعماله من مكانته الطبيعية إلى غيرها يستتبع ذلك انحرافا وتغيّرا في صفاته وخواصه الروحية ، وانحراف بذلك جميع الخواص والصفات عن مستوى الطبيعة وصراط الخلقة ، وبطل بذلك ارتباطه بكماله الطبيعي والغاية التي يبتغيها بحسب الخلقة . وإذا بحثنا في المصائب العامة التي تستوعب اليوم الإنسانية ، وتحبط أعمال الناس ومساعيهم لنيل الراحة والحياة السعيدة ، وتهدد الإنسانية بالسقوط والانهدام ، وجدنا أنّ أقوى العوامل فيها بطلان فضيلة التقوى ، وتمكّن الخرق والقسوة والشدة والشره من نفوس الجوامع البشرية ، وأعظم أسبابه وعلله الحرية والاسترسال والإهمال في نواميس الطبيعة في أمر الزوجية وتربية الأولاد ، فإنّ سنة الاجتماع المنزلي وتربية الأولاد اليوم تميت قرائح الرأفة والرحمة والعفة والحياء والتواضع من الإنسان من أول حين يأخذ في التمييز إلى آخر ما يعيش . وأمّا تدارك هذه النواقص بالفكر والرؤية فهيهات ذلك ، فإنها كسائر لوازم الحياة وسيلة تكوينية اتخذتها الطبيعة وسيلة لردّ ما خرج وانحرف عن صراط الطبيعة والتكوين إليه ، لا لإبطال سعي الطبيعة والخلقة وقتلها بنفس السيف الذي أعطته للإنسان لدفع الشر عنها ، ولو استعمل الفكر الذي - هو أحد وسائل الطبيعة - في تأييد ما أفسد من شؤون الطبيعة ، عادت هذه الوسيلة أيضا فاسدة منحرفة كسائر الوسائل ، ولذلك ترى أنّ الإنسان اليوم كلّما أصلح